قوله: (ليذكروا) أي ليعتبروا ويتدبروا ما بيناه من الأدلة والحجج، فيبينوا إلى ربهم طائعين مذعنين (وما يزيدهم إلا نفورا) أي لا يزيد المشركين ما بيناه لهم من المواعظ والدلائل والعبر إلا إدبارا عن الحق وإمعانا في الضلال والباطل - وذلك هو ديدن الظالمين التائهين، أولي القلوب الغُلْف، والطبائع السقيمة؛ فإنهم لا يزيدهم التذكير والتحذير والزجر إلا عتوا واستكبارا 55.
قوله تعالى: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (42) سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) } أي قل لهؤلاء المشركين الذين يتخذون مع الله آلهة أخرى كالأصنام: لو كان مع الله آلهة- كما تفترون وتصطنعون- لكانت هذه الآلهة المزعومة قد التمست التقرب من الله بعبادته والإذعان له؛ فعليكم بعد ذلك أن تتبينوا وتوقنوا أن أصنامكم هذه التي تزعمون أنها تقربكم إلى الله ليست غير آلهة موهومة مصطنعة.
قوله: {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا} ينزه الله نفسه عما لا يليق به وعما وصفه به المشركون؛ إذ جعلوا معه آلهة غيره وقالوا: إن الملائكة بنات الله تعالى الله عن كل ما يتقوله هؤلاء الضالون ويفترونه تعاليا كبيرا.
قوله تعالى: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} ذلك بين من الله جل جلاله على أن السماوات السبع على سعتهن وعظمتهن التي تفوق تصور البشر وخيالهم، وكذا الأرض، (ومن فيهن) ، من الملائكة والإنس والجن من المؤمنين؛ كل أولئك ينزهون الله عما وصفه به المشركون إجلالا له وتعظيما - ثم انتقل من التخصيص إلى التعميم فقال: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) أي وما من شيء من المخلوقات في السماوات أو في الأرض إلا يسبح بحمد الله فيقول: سبحان الله وبحمده (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) ؛ لأن تسبيح هذه الأشياء غير معلوم لنا؛ فهي تسبح بخلاف لغات البشر - وإنما تسبح بلغتها التي لا يعلمها إلا هو سبحانه - روى الإمام أحمد عن أنس (رضي الله عنه) عن رسول الله (ص) أنه دخل على قوم وهم وقوف على دواب لهم رواحل فقال لهم:"اركبوها سالمة، ودعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق؛ فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكرا لله منه".
وفي سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله (ص) عن قتل الضفدع وقال:"نقيقها تسبيح".
واختلفوا في تخصيص العموم في قوله: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) فقيل: ليس مخصوصا - والمراد به تسبيح الدلالة؛ أي أن كل محدث يشهد على نفسه بأن الله هو الخالق القادر - وقيل: هذا التسبيح على حقيقته - فما من شيء في الكون إلا ويسبح الله تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهونه - وقيل: المراد به الخصوص في كل حي؛ فالشجرة حال إثمارها واخضرارها، تسبح بحمد الله - وإذا أصبحت خوانا، فإنها لا تسبح - والخوان، بكسر الخاء؛ أي الذي يؤكل عليه - وهو معرب 56.