فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 2536

قوله: (اللهم) موضع خلاف لدى النحويين، ونختار من أقوالهم ما نجده راجحا وهو أن (اللهم) معناه: يا ألله - والميم المشددة عوض عن: يا - وهو قول الخليل وسيبويه - وقيل غير ذلك 62 وبذلك يكون المعنى: يا مالك الملك - أي يا مالك الدنيا والآخرة - يا من له ملكوت الكون كله خالصا لك من غير شريك ولا نديد - أنت (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) أي تعطي من تشاء من عبادك في هذه الدنيا ما تشاء مما تملكه أو تسلطه عليه، وأنت قادر كذلك على انتزاع هذا الملك من مالكه المتسلط عليه من الناس - وكذلك فإن الله يعز بفضله ورحمته من يشاء من عباده إذ يسلبه الملك ويسلط عليه عدوه - وهو جل جلال بيده الخير - واليد بمعنى القدرة، أي أن الخير بقدرة الله يكتبه لمن يشاء من خلقه - وألف التعريف في الخير تفيد الاستغراق - أي أن الخير كله بيد الله وحده لا بيد غيره - على أن الخير كلمة جامعة يلج فيها كل وجوه النعمة والعطاء، سواء في ذلك المال أو الجاه أو الشرف أو السلطان - ويأتي في ذروة ذلك كله نعمة الدين والإيمان - وذلك مقتضى قوله: (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير) فهذه حقائق راسخة عن عظيم شأن الله وعظيم قدرته مما ينبثق عن التصور العظيم لألوهية الله المدبر لأمور الكون جميعا والذي بيده ملكوت كل شيء - فمثل هاتيك الحقائق الثوابت الكبريات تجليها العبارة القرآنية الفذة (إنك على كل شيء قدير) .

قوله: (تولج الليل في النهار) الولوج بمعنى الدخول 63 والمراد في هذه الآية أن الله يأخذ من ساعات الليل فيجعلها في ساعات النهار فيكون الليل بذلك قصيرا ويجعل ذلك القدر الزائد داخلا في النهار - وتارة على العكس من ذلك - وهو أن الله يأخذ من ساعات النهار فيجعلها في ساعات الليل فيكون النهار بذلك قصيرا - أي أنه يزيد في ساعات الليل ما نقصه من ساعات النهار - وفي جملة ذلك يقول ابن عباس رضي الله عنهما: ما نقص من النهار يجعله في الليل وما نقص من الليل يجعله في النهار.

قوله: (وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) لمعرفة تأويل ذلك نقول: هل الحياة والموت في هذه الآية على الحقيقة أو من باب الاستعارة؟

فإن كان ذلك على الحقيقة فمثاله: إخراج السنبلة من الحبة وبالعكس، وكذا النخلة من النواة وبالعكس، وكذا الحيوان من النطفة وبالعكس.

وإن كان ذلك من باب الاستعارة فمثاله: يخرج المؤمن من الكافر، كإبراهيم من أبيه المشرك آزر - والكافر من المؤمن، مثل كنعان المشرك من أبيه نوح عليه السلام - أو يخرج الطيب من الخبيث وبالعكس - فقد ذكر أن الكلمة محتملة للكل، أما الكفر والإيمان فقال تعالى: (أو من كان ميتا فأحييناه) يريد أنه كان كافرا فهديناه فجعل الموت كفرا والحياة إيمانا، وسمي إخراج النبات من الأرض إحياء بعد أن كانت قبل ذلك ميتة فقال: (يحيي الأرض بعد موتها) وقال: (فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت