قوله: {وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ} التباب، الهلاك والخسران أي ما يكيده فرعون لدين الله بالصد وللمستضعفين بالقهر والإذلال، إنما مصيره الخسران ولن يدفع عنه ذلك من ينتظره من سوء المصير، في الدنيا حيث التغريق الشنيع، وكذلك في الآخرة حيث النار وبئس القرار.
قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ} .
دعا الرجل المؤمن قوم فرعون إلى استماع نصحه لهم وإلى طاعته فيما دلَّهم عليه {أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} أي أسلككم في طريق الحق ولهداية والنجاة.
ثم وضّح لهم ذلك بذم الدنيا وتصغير شأنها؛ لأن الإخلاد إلى الدنيا أو الركون إليها أصل الشر كله - فقال: {إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ} إنها متاع يتلهّى به الناس فيغفلون عن دين الله ويزيغون عن سبيله المستقيم ليسلكوا سبل الضلال والباطل فيبوءون بسخط الله وغضبه ثم يصيرون بعد ذلك إلى النار {وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} ذلك تعظيم لشأن الآخرة فإنها الدائمة الباقية التي لا تفنى ولا تزول - وهي المستقر الذي لا يتغير ولا يتحول.
قوله: {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} يحذر الله عباده من فعل المعاصي فإنها سبيل الهلاك والخسران، وإنه لا يجزي المسيئون منن جزاء السوء إلا بمثل إساءتهم؛ لأن الزيادة على مقدار جزاء السيئة ظلم وما الله بظلام للعبيد.
قوله: {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} ذلك ثناء من الله على عباده المؤمنين، وفيه تحريض لهم على الإيمان وفعل الطاعات والصالحات التي تفضي بهم إلى الجنة - فما يبادر المرء للإيمان والطاعة إلا جوزي خير الجزاء من الله سواء كان المبادر ذكرا أو أنثى - على أنه يشترط لصحة العمل وقبوله أن يكون العامل مؤمنا، وهو قوله: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} فإنما الإيمان الصحيح سبيل القبول والنجاة ولن تغني العاملين أعمالهم إن لم يكونوا مؤمنين.
على أن جزاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات {الجَنَّة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} بغير تقدير، لفرط كثرته وزيادته - بخلاف السيئة فإن جزاءها مثلها بغير زيادة.