ولئن أفلح هؤلاء الخصوم العتاة اللّد في اغتصاب فلسطين والقدس؛ فإن طوفان الإسلام الهادر آت لا محالة، ليطحطح عن هذه الأرض المباركة كابوس الفساد والشر، ولينسف قواعد الكفر والإباحية والعدوان نسفا - وحينئذ تعود البلاد المغتصبة لحظيرة الإسلام والمسلمين، حيث الوضع السليم الذي كتبه الله في قرآنه لفلسطين والقدس.
بسم الله الرحمن الرحيم
{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنيره من آياتنا إنه هو السميع البصير} (سبحان) ، اسم علم للتسبيح - سبحت الله تسبيحا وسبحانا؛ فالتسبيح هو المصدر - و (سبحان) اسم علم للتسبيح - وسبحان الله، معناه تنزيه الله تعالى من كل سوء 1.
قوله: (أسرى بعبده ليلا) سرى وأسرى، من الإسراء وهو السير ليلا.
والمراد بعبده محمد (ص) ؛ فقد أسرى الله به ليلا، بلفظ التنكير، لقلة المدة التي وقع فيها الحدث القدسي الهائل؛ إذ أسرى الله برسوله الكريم (ص) في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، في عرف السابقين من ذلك الزمان وكان ذلك قبل الهجرة بعدة أعوام - وسمي بالأقصى لبعد المسافة بين المسجدين؛ ولأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد.
وهل وقع الإسراء بالروح وحده، أو بالروح والجسد معا؟ فقد ذهب معظم العلماء من السلف والخلف من المسلمين إلى أن النبي (ص) قد أسري بروحه وجسده معا، وأنه ركب البراق بمكة ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه، ثم عرج بجسده من ثم إلى السموات - ويدل على ذلك: أن الحدث في ذاته معجزة هائلة - وهي دليل الوقوع بالروح والجسد مجتمعين - ولو كان الإسراء بالروح دون الجسد كالرؤيا في المنام لما كان في ذلك آية ولا معجزة ولما كان مدعاة للدهش والعجب، ولا معنى للبدء بتنزيه الله نفسه بقوله: (سبحان) لا جرم أن البداية بهذا التعبير يكشف عن خبر مذهل وجلل قد تحقق في عملية الإسراء - ولا يكون ذلك بمجرد الروح.