وقوله: (لا تكلف نفس إلا وسعها) (نفس) نائب فاعل مرفوع - (إلا) أداة استثناء كفّها النفي عن العمل - (وسعها) مفعول به ثان منصوب والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة - أي أن الأزواج ينبغي عليهم أن ينفقوا على الوالدات مما في مقدورهم وحسب طاقتهم من غير أن يرهقوا في ذلك عسرا 303.
وقوله: (لا تضار والده بولدها ولا مولود له بولده) أي ليس للأم أن تأبى إرضاع ولدها على سبيل الإضرار والنكاية بأبيه - وعلى أية حال فإن عليها إرضاعه اللّبأ وهو اللبن الذي يدّره الثدي في الأيام الأولى من ولادة الطفل وليس له عنه غنى، وكذلك فإنه ليس للوالد أن يصدّ الأم عن إرضاع ابنها مادامت ترغب في ذلك، وذلك على سبيل الإغاظة المقصود لها.
وقيل في معنى آخر قريب مما بينا وهو أن الأم لا يحل لها أن تدفع عنها الطفل إلى أبيه قاصدة بذلك إضراره بإرهاقه وإشغاله بتربيته وتدبير شؤونه، ولا يحل للأب.
كذلك أن ينتزع منها الولد لمجرد الإضرار بها والإساءة إليها، فإن في تصرف الوالدين على هذا النحو ما يسيء إليهما ويضر بهما إضرارا - وهو إضرار متعمد ومقصود، وقد كانا في غنى عن ذلك لو حبسا عن أنفسهما الغضب وتشبثا بالصبر والعفو وسعة الصدر.
قوله: (وعلى الوارث مثل ذلك) أي على وارث والد الطفل مثل ما على والد الطفل نفسه من وجوب الإنفاق على والدة الطفل وعدم الإضرار بها - وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء - وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض.
وقيل: المراد بالوارث هو وراث الصبي فيما لو مات - وهو يلزمه توفير الإرضاع للولد.
وقيل: المراد هم عصبة الأب فإن عليهم نفقة الصبي وذلك إذا توفي الأب نفسه.
وثمة أقوال مفصلة في هذه المسألة ندع للمستزيد فرصة الرجوع فيها إلى مواطنها من كتب الفقه.
قوله: (فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما) الفصل معناه الفطام، والضمير في الفعل (أرادا) يعود على الوالدين - والتشاور هو أخذ المشورة للوقوف على الرأي المناسب النافع للطفل دون استبداد أحد الوالدين برأيه - فقد ذكرت الآية في مطلعها أن الرضاع بتمامه وكماله يكون في عامين كاملين، وما تجاوز ذلك فهو ضرب من العبث الذي لا يحرم النكاح، أما إذا اتفق الوالدان بعد تشاور منهما وتراض دون انفراد أحدهما برأيه على فطام الصبي قبل الحولين مادام ذلك نافعا له وفي مصلحته فهو جائز ولا بأس عليهما في ذلك.
قوله: (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف) - المخاطب في الآية هم الوالدون والوالدات - والمعنى أنكم إذا أردتم لأولادكم الظئر لإرضاعهم، فلا بأس عليكم في تسليم الطفل واستلامه، إذ تسلّمه أمه لأبيه فيستلمه منها دون مغاضبة أو قصد لإضرار على أن يدفع لها أجرتها الماضية عن الإرضاع بالتي هي أحسن.
قوله: (واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير) يحذّر الله عباده من مخالفة شرعه مما أمر به أو عند زجر، وليعلموا دائما أن الله خبير بأعمالهم رقيب عليهم في أحوالهم وأقواهم وتصرفاتهم فلا يخفى عليه شيء من ذلك 304.
234 - (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)