أما المرأة المطلقة طلاقا بائنا فلا رضاع عليها - وعلى الأب أن يهيئ لولده ذلك استئجارا، إلا أن ترغب أمه في إرضاعه بالأجرة، فإنها أحق بذلك باعتبارها أكثر حنوا عليه وإخلاصا - وتصبح البائنة ملزمة بالإرضاع إلزاما إذا أبى الولد الرضاع من غيرها أو لم يكن في البلد من ترضعه إلا هي - وتفصيل ذلك في كتب الفقه 302.
ويرد في هذا المجال من الرضاع مسألة التحريم - فقد تبين من الآية أن كمال الرضاعة يكون في سنتين - وليس من اعتبار للرضاعة خارج هذه المدة، وذلك الذي عليه أكثر العلماء من السلف والخلف - فقد قالوا أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين، فإذا رضع الولد وكانت سنة فوق عامين لم يقع تحريم بهذا الرضاع، وقد احتج العلماء لمذهبهم هذا بما روي عن الرسول (ص) في هذه المسألة - فقد روى الدارقطني عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص) :"لا يحرّم من الرضاع إلا ما كان في الحولين".
وروى الترمذي عن السيدة أم سلمة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله (ص) :"لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعات في الثدي وكان قبل الفطام"- وعلى هذا فإن الإرضاع لا يحرم إلا في الصغر دون الحولين، ولو فطم الصبي دون حولين ثم أرضعته امرأة بعد فصاله فإنه تثبت به الحرمة عند جمهور العلماء خلافا للإمام مالك، فإن هذا الرضاع لا يحرم عنده؛ لأنه صار بمنزلة الطعام - والراجح قول الجمهور استنادا إلى عموم خبر ابن كعباس"لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين".
قوله: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (المولود له) هو الأب - والجار والمجرور في محل رفع خبر مقدم - و (رزقهن) مبتدأ مؤخر - والضمير في محل جر مضاف إليه.
والمراد في الآية أن على الأب أن ينفق على الزوجة نفقة رزق وكساء - والمقصود بالرزق هنا الإطعام، على أن يكون ذلك كله بالمعروف، أي بما تعورف عليه وبما جرت عليه العادة في الإنفاق من غير أن يكون في ذلك أسراف ولا تقتير، وتبعا لحال الرجل من اليسار أو الإعسار، وذلك كقوله تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) .
أما الوالدات فإن المراد بهن في الآية الزوجات - ودليل ذلك وجوب النفقة عليهن؛ إذ لو كنّ غير زوجات لما وجبت لهن النفقة - وقيل المراد بهن المطلقات اللواتي لهن أولاد من أزواجهن، فإن على الأب أن ينفق عليهن ما أرضعن الولد - وقيل: الآية عامة في المطلقات ذوات الأولاد، وفي الزوجات حال بقاء النكاح.
وقد استنبط العلماء من هذه الآية ما يدل على أن الحضانة حق للأم سواء في الغلام أو الجارية - وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك والشافعي - إلا أنه (الشافعي) قال: إذا بلغ الولد ثمانية أعوام وهي سن التمييز فإنه حينئذ يخيّر بين أبويه - واحتج الشافعي لذلك بما رواه النسائي عن أبي هريرة أن امرأة جاءت إلى النبي (ص) فقالت له: زوجي يريد أن يذهب بابني، فقال له النبي (ص) :"هذا أبوك وهذه أمك، فخذ أيهما شئت"فأخذ بيد أمّه.
وفي تقديرنا أن تقييد الحضانة بثماني سنوات من عمر الطفل لا يعوّل عليه - وما احتج به الشافعي لذلك لا يدل على تحديد سن الحضانة بهذه المدّة.
والراجح عندي أن الحضانة حق للأم - وهو حق يمتد حتى سن البلوغ، سواء كان صبيا أو جارية - والدليل على ذلك ما رواه أبو داود بإسناده عن عبد الله بن عمرو أن امرأة جاءت إلى النبي (ص) :"أنت أحق به ما لم تُنكح"فإذا نكحت فليس لها في حضانة ولدها - وهو ما خلاف فيه.