قوله تعالى: {قل أرءيتكم إن أتكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صدقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} التاء في {أرءيتكم} ضمير متصل في موضع رفع فاعل - والكاف والميم لمجرد الخطاب ولا موضع لهما من الإعراب - وقيل: الكاف والميم منصوب بوقوع الرؤية عليهما - والمعنى: أرأيتم أنفسكم والراجح القول الأول وهو أنه لا محل للضمير الثاني - أي الكاف - من الإعراب، لأنه لو جعل للكاف محل من الإعراب لكان كأن تقول: أرأيت نفسك زيدا ما شأنه، وهو غير سليم - والصواب القول: أرأيتك زيدا ما شأنه.
والمعنى: قل لهؤلاء الكافرين يا محمد: أخبروني إن أتاكم عذاب الله في الدنيا أو عند قيام الساعة، هل ترجعون إلى غير الله في رفع ذلك البلاء، وذلك على سبيل التوبيخ والتقريع.
قال القرطبي في هذا الصدد: أي أنتم عند الشدائد ترجعون إلى الله وسترجعون إليه يوم القيامة أيضا، فلم تصرون على الشرك في حال الرفاهية! وكانوا يعبدون الأصنام ويدعون الله في صرف العذاب.
قوله: {بل إياه تدعون} بل، إضراب عن دعائهم غير الله، وإيجاب للثاني وهو دعاؤهم إياه سبحانه - أي أنكم لا تدعون لدفع البلاء والمحن عنكم غير الله فلا ترجعون في ذلك إلا إليه وحده.
قوله: {فيكشف ما تدعون إليه} أي يشكف الله عنكم ما نزل بكم من الكروب والمحن إذا استغثتم به وتضرعتم إليه إن شاء، لأنه هو القادر على فعل كل شيء وليس ما تدعون من دونه من الأنداد والأصنام.
قوله: {وتنسون ما تشركون} أي تنسون حين يأتيكم العذاب أو تأتيكم الساعة بأهوالها وفظائعها ما كنتم تعدلون بالله من الآلهة المصطنعة والأنداد الموهومة التي لا تضر ولا تنفع بل إنكم حينئذ تعرضون عنها إعراض الناسي - أو إعراض المستخف المستخسر 50.
قوله تعالى: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذنهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون (42) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطن ما كانوا يعملون (43) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبوب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذنهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العلمين} .
في الآية الأولى تسلية من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم - والمعنى أن الله أرسل رسله إلى أمم من قبلك يا محمد فكذبوا وأعرضوا فأخذهم الله {بالبأساء} أي شدة الفقر والقحط والجوع {والضراء} أي الأقسام والأمراض - وقيل: البأساء، البؤس والمصائب تأتي على الأموال - والضراء، المصائب والمحن تصيب الأبدان - وذلك على سبيل التعذيب والانتقام في هذه الدنيا - فإن الله ينتقم من المجرمين الظالمين الناكبين عن منهج الله بضروب من المحن في هذه الدنيا قبل الممات وذلك في مقابلة عتوهم وإعراضهم عن دين الله.
قوله: {لعلهم يتضرعون} من الضراعة والتضرع وهو الابتهال والتذلل أي فعلنا بهم ذلك لكي ينزجروا عن التوجه للأنداد فيخلصوا العبادة لله ويتذللوا إليه بالطاعة والاستكانة والابتهال.