قوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} أي من يتول اليهود أو النصارى دون المؤمنين، بأن يناصرهم ويؤيدهم ضد المسلمين فإنه يصبح من جملتهم وحكمهم وهو من هل دينهم وملتهم - إذ بات منسلخا عن ملة الإسلام والمسلمين بعد أن خان الله ورسوله والمسلمين، وأودى بنفسه في الخيانة والعار، وباء بالخسران المبين في الدنيا والآخرة.
قوله: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} الظالمون، المتلبسون بالظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه - أي ظلموا أنفسهم بموالاة الكافرين، أو ظلموا المسلمين بموالاة أعوانهم من أهل الكتاب والمشركين على اختلاف مللهم - والله جل وعلا لا يهدي هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بمحادتهم الله ورسوله والمؤمنين وموالاتهم للكافرين - أي لا يرشدهم إلى الإيمان، بل يخليهم وشأنهم ليسقطوا في الكفر والضلال - لا جرم أن موالاتهم للكافرين ظلم، وذلك تعريض لأنفسهم لعذاب الله الخالد ووضع للشيء في غير موضعه.
قوله تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين (52) ويقول الذين ءامنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} الفاء في قوله: {فترى} تفيد ترتب مآل المنافقين على عدم هدايتهم - والمراد بالذين في قلوبهم مرض، المنافقون مثل عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه من المنافقين وقوله: {يسارعون فيهم} حال من المفعول به - أي يسارعون في موالاة اليهود والنصارى وموادتهم، لأنهم كانوا أهل مال وثراء وكانوا يعينونهم على مهماتهم، وملماتهم إذ يقرضونهم المال.
قوله: {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} الدائر في اللغة ما أحاط بالشيء أو الحلقة - ويراد بها هنا الداهية والهزيمة، أي نخشى أن يدور الدهر علينا بداهية أو مصيبة كأن ينقلب الأمر للكفار وتكون الدولة لهم على المسلمين فنحتاج إليهم - أو نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه كالجدب والقحط فلا يميروننا ولا يقرضوننا - إلى غير ذلك من وجوه المعاذير الباطلة المصطنعة التي يبرر بها المنافقون موالاتهم للكافرين فيقفون معهم ويؤيدونهم ضد المسلمين - لا جرم أنها مبررات وأسباب كاذبة مرفوضة لا تتفق مع أبسط المقادير من الإيمان بالله الذي وعد عباده المؤمنين المخلصين بالنصر فقال: {فعسى الله أن يأتي بالفتح} كلمة (عسى) من الله وعد محتوم - ووجه ذلك أن الكريم إذا وعد خيرا فعله دون أن ينثني أو يخلف - فكيف إذا كان الواعد أكرم الأكرمين؟! والمراد بالفتح موضع خلاف فقد قيل: فتح مكة - وقيل: فتح بلاد الكفار - وقيل: معناه القضاء الفصل بنصر الرسول صلى الله عليه وسلم والذين معه من المؤمنين وإعلاء شأن الإسلام.
قوله: {أو أمر من عنده} أي إظهار نفاق المنافقين والأمر بقتلهم لما استبان كفرهم واستبانت أسماؤهم - وقيل: الخصب والسعة - قوله: {فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} هؤلاء المنافقين الذين تولوا الكافرين واستيأسوا من ظهور الإسلام، إذا رأوا نصر رسول الله والمؤمنين عضهم الندم لما كانوا يحدثون به أنفسهم وهو شكهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتقادهم أن الغلبة والدولة 136 لهؤلاء الكافرين 137.