قوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} : عجب مشركو العرب من أن يأتيهم مُبلِّغ من البشر يبلِّغهم دعوة ربهم ويحذرهم بأس الله بكفرهم وإشراكهم مع الله آلهة مزعومة وموهومة {وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} أرادوا بالإشارة محمدا صلى الله عليه وسلم فقد كذبوه ورموه بالسحر؛ إذ قالوا إنه يفرِّق بين الوالد وولده وبين المرء وزوجه.
قوله: {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} الآلهة، وإلها، مفعولان لجعل، وهو بمعنى صيَّر - فهم بسفاهتهم وضلالتهم يستنكرون جعل الآلهة إلها واحدا ويقولون: {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أي عجب بالغ أو في غاية العجب - وذُكر في سبب نزول هذه الآية أنه لما أسلم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - شقَّ على قريش إسلامه فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا: اقضِ بيننا وبين أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء - أي العدل - فلا تمِلْ كل الميل على قومك - قال"وماذا يسألونني؟"قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا ونذرك وإلهك - فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أتعطونني كلمة واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم"- فقال أبو جهل: لله أبوك! لنعطينّكهَا وعشْر أمثالها - فقال النبي صلى الله عليه وسلم"قولوا لا إله إلا الله"فنفروا من ذلك وقاموا، فقالوا: {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} فكيف يسع الخلْقَ كلهم إله واحد - فأنزل الله فيهم هذه الآيات.
قوله: {وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ} : {أنِ} مفسرة، وتقديره أي امشوا.
المراد بالملأ، أشراف القوم وسادتهم؛ فقد ذهب هؤلاء مسرعين من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول بعضهم لبعض: امضوا على ما أنتم عليه من عبادة الأصنام واصبروا على دينكم وعبادة آلهتكم.
قوله: {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} أي هذا الذي جاء به محمد، وما يدعونا إليه من عبادة إله واحد، إنْ هو إلا شيء يريده منا محمد يبتغي به الظهور والاستعلاء علينا لنكون له تبعا، فاحذروا طاعته وتصديقه.
قوله: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ} : أرادوا بالملة الآخرة، النصرانية وهي آخر الملل: يعني ما سمعنا بهذا الدين الذي جاء به محمد والذي يدعونا فيه إلى التبرؤ من جميع الآلهة إلا من الله - في ملة عيسى وهي النصرانية؛ ولو كان ما جاءنا به حقّا لأخبرنا به النصارى.
{إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ} : يعني ما هذا الذي جاء به محمد إلا كذب وتخريص اختلق محمد من عنده - هكذا المشركون السفهاء يؤفكون عن دين الله وعن سبيله المستقيم كراهية في الحق وجنوحا للهوى والباطل الذي أُشْرِبَتْهُ نفوسهم السقيمة.
قوله: {أَءُُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} : الاستفهام للإنكار - والمراد بالذكر ههنا القرآن؛ فقد أنكر المشركون تخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن عليه من بينهم جميعا.