قوله: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر} نزلت هذه الآية حين أراد الكفار أن يعينوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصيبوه بالعين - فنظر إليه قوم من قريش فقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حججه - وكانت العين في بني أسد حتى أن الناقة السمينة والبقرة السمينة تمرّ بأحدهم فيعينها (يصيبها بعينه) ثم يقول: يا جارية خذي المكتل والدرهم فأتينا بلحم من لحم هذه فما تبرح حتى تقع بالموت فتنحر - وذكر أن رجلا كان معروفا بأنه عائن - أي يصيب بعينه الدابة أو الإنسان فما يلبث أن يهلك - فسأله المشركون أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين، فعصم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل هذه الآية 14 {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر} إن، مخففة من الثقيلة - ليزلقونك، من الإزلاق وهو التنحية والإزالة - يقال: زلقه وأزلقه يزلقه تزليقا إذا نحّاه وأبعده، وزلق رأسه يزلقه زلقا إذا حلقه 15.
لقد أراد المشركون إزلاق النبي صلى الله عليه وسلم بإهلاكه وموته، وهو المستفاد من قوله: {ليزلقونك بأبصارهم} أي ليعتانونك - رجل معيان وعيون، أي شديد الإصابة بالعين 16 وقيل: يصرعونك أو يصرفونك {بأبصارهم} أي بعيونهم فيزيلونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه لفرط عداوتهم لك - وجملة القول أنهم يبتغون أن يصيبوك بالعين لإهلاكك.
أما العين فإنها حق وهي تصيب المعيون فتودي به - وفي ذلك روى مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين"وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين يقول:"أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامّة".
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد أو جابر بن عبد الله أن رسول الله اشتكى فأتاه جبريل فقال:"بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من كل حاسد وعين، الله يشفيك"وروى الإمام أحمد أيضا عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن العين حق".
وروى ابن ماجه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"استعيذوا بالله فإن النفس حق"- وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"العين حق لتورد الرجل القبر والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتي في العين".
وروى عن علي (رضي الله عنه) أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فوافقه مغتمّا فقال: يا محمد ما هذا الغم الذي أراه وجهك؟ قال:"الحسن والحسين أصابتهما عين"قال: صدّق بالعين فإن العين حق، أفلا عوّذتهما بهؤلاء الكلمات؟ قال:"وما هن يا جبريل"قال: قل اللهم ذا السلطان العظيم والمنّ القديم ذا الوجه الكريم وليّ الكلمات التامات والدعوات المستجابات عاف الحسن والحسين من أنفس الجن وأعين الإنس - فقالها النبي صلى الله عليه وسلم فقاما يلعبان بين يديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"عوذوا أنفسكم ونساءكم وأولادكم بهذا التعويذ فإنه لم يتعوذ المتعوذون بمثله".
قوله: {ويقولون إنه لمجنون} ينسبون النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن - وذلك لفرط حسدهم وكراهيتهم له، ولروعة ما سمعوا من الكلام العجيب الذي لم يسمعوا بمثله من قبل - فلم يجدوا من فرية يفترونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يرموه بالجنون وهم موقنون بصدقه وأمانته ورجاحة عقله وروعة ما جاءهم به.
قوله: {وما هو إلا ذكر للعالمين} يعني وما القرآن إلا موعظة وتذكير وبيان للثقلين من الإنس والجن 17.