قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} الإشارة عائدة على ما ذُكر من تفصيل عن نزول المطر وإنبات الزرع ذي النضارة والجمال والاخضرار ثم صيروته حطاما يابسا مُتفتتا؛ فإن في ذلك {لَذِكْرَى} أي لتذكيرا {لِأُولِي الْأَلْبَابِ} أي لأصحاب العقول النيرة الذين يتذكرون ويعتبرون بذلك وينتبهون إلى أن الدنيا شأنها هكذا؛ إذ تكون خضرة حسناء ثم تنقلب هرمة واهية شوهاء - وكذلك الإنسان يكون شابا مكتمل القوة والهمة والبأس ثم يعود شيخ كبيرا هرما وقد أتى عليه الضعف والهزل ثم يُفْضي بعد ذلك كله إلى النهاية المحتومة الموت.
قوله: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} الهمزة للإنكار، وشرح الصدر جعله واسعا، وهو استعارة عن قبول الإيمان والخير والهداية.
والمعنى: أفمن وسع الله صدره فجعله مستعدا لقبول الإسلام بفطرته السليمة كمن قسا قلبه؟! أو كالناسي المعرض عن الخير والهدى، أو كمن طبع على قلبه فقسا؟!
قوله: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} القلوب القاسية هي الغليظة الكَزَّة التي لا تلين للذكرى ولا تخشع للآيات والعظات - وأولو القلوب القاسية غلاظ الطباع، غُلْفُ القلوب لا يعتبرون ولا يدَّكِرون ولا تستجيب نفوسهم لهتاف الحق والخير - وهم إذا ذُكِر الله عندهم أو ذكرت آياته اشمأزت قلوبهم وتولوا جامحين مدبرين - وهذا الصنف من الناس قد طبع على قلبه فبات مسدودا أصم لا خير فيه ولا لين - فويل لهؤلاء من عذاب الله ونكاله.
قوله: {أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} الإشارة إلى الموصوفين بقساوة القلوب؛ فهم غاوون سادرون في العماية والظلام.
23 - (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)
قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} .
ذلك ثناء من الله عظيم على كتابه الحكيم، القرآن، الذي أنزله هداة وتبصرة للناس إلى يوم الدين وهو قوله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا} {كتابًا} بدل من {أحْسَنَ} وقيل: حال منه.
قوله: {مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} {مُتَشَابِهًا} يشبه بعضه بعضا في الصدق والبيان والوعظ والحكمة والإعجاز، وغير ذلك من مختلف المعاني - وبذلك إذا كانت سياقات القرآن في معنى واحد يشبه بعضه بعضا فهو التشابه.
وأما المثاني: فهو جوع مثنى، بمعنى مردد ومكرر لما ثني من قصصه وأخباره وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعيده ومواعظه.
فسياقات القرآن تكون بذكر الشيء وضده، كذكر المؤمنين ثم الكافرين - وكوصف الجنة ثم وصف النار - ونحو ذلك - فهذا من المثاني.