قوله: {إنا مرسلون الناقة فتنة لهم} إن الله مخرج لهم ناقة من الهضبة وهي صخرة صماء، إذ دعا صالح ربه أن يخرج لهم من جوف هذه الصخرة ناقة فاستجاب الله دعاءه، إذ انصدعت الصخرة وخرجت منها الناقة تصديقا لنبوة صالح (عليه السلام) وكذلك {فتنة لهم} أي اختبارا لهم وامتحانا لتستبين حالهم من الكفر أو الإيمان.
قوله: {فارتقبهم واصطبر} أي انظر ماذا يصنعون بناقة الله، واصبر على أذاهم وكيدهم وتكذيبهم فإن العاقبة والنصر لك في الدنيا والآخرة.
قوله: {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم} أي أخبرهم أن الماء مقسوم بينهم وبين الناقة فلهم يوم يشربون فيه الماء، ولها يوم تشربه كذلك - أي لها شرب يوم ولهم شرب يوم - قال ابن عباس في تأويل ذلك: كان يوم شربهم لا تشرب الناقة شيئا من الماء وتسقيهم لبنا وكانوا في نعيم - وإذا كان يوم الناقة - شربت الماء كله فلم تبق لهم شيئا.
قوله: {كل شرب محتضر} الشرب، بكسر الشين، أي الحظ من الماء 16 والمعنى: أنه يحضر الماء من هو له، فتحضره الناقة يوم وردها وتغيب عنهم يوم وردهم - وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم ويحضرون اللبن في نوبتها فيشربونه.
قوله: {فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر} أي نادت ثمود صاحبهم الشقي الأثيم ليعقر ناقة الله فحضّوه على هذه الفعلة النكراء {فتعاطى فعقر} أي تناول الفعل وهو العقر - أو اجترأ على تعاطي الأمر العظيم - والعقر معناه، الضرب بالسيف 17.
30 - (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)
قوله: {فكيف كان عذابي ونذر} وذلك تخويف لقريش من أن يحل بهم من العقاب ما حل بالمكذبين السابقين - أي فكيف كان عقابي وإنذاري لهم يا معشر قريش.
قوله: {إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة} أرسل الله جبريل العظيم فصاح فيهم صيحة أتت عليهم فأهلكتهم إهلاكا {فكانوا كهشيم المحتظر} الهشيم، الشجر اليابس المتهشم المتكسر - والمحتظر، الذي يعمل الحظيرة - وقال ابن عباس: المحتظر، الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك فما سقط من ذلك وداسته الغنم فهو الهشيم - واحتظر على إبله أي جمع الشجر ووضع بعضه فوق بعض ليمنع به الريح والسباع عن إبله - وقيل: المحتظر، المرعى بالصحراء حين ييبس ويحترق وتسفيه الريح.
قوله: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} جعل الله القرآن بينا ميسورا - فهو واضح النظم والمبنى، عظيم المدلول والمعنى لمن أراد أن يتدبر أو يتفكر فينتفع بآياته واحكامه وعلومه 18.
قوله تعالى: {كذبت قوم لوط بالنذر 33 إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر 34 نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر 35 ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر 36 ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر 37 ولقد صبّحهم بكرة عذاب مستقر 38 فذوقوا عذابي ونذر 39 ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} .
يخبر الله أمة أثيمة أخرى من الأمم الضالة - أمة من الغابرين الهالكين الذين أوغلوا في الفحش والشذوذ والقذر - وهم قوم لوط - أولئك الأشقياء الخاسرون الذين كانوا يأنفون من نكاح النساء ويرغبون في إتيان الذكور - وهذه جريمة بشعة من الجرائم النكراء المستقذرة لا يتلبس بها الشذاذ الضالعون في الخطيئة والرجس.