قوله تعالى: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بئايته مؤمنين (118) وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوئهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمهتدين} ورد في سبب نزول هذه الآية أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها - فقال عليه الصلاة والسلام:"الله تعالى قتلها"قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الصقر والكلب حلال وما قتله الله تعالى حرام - فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروي أن المجوس من أهل فارس لما أنزل الله تعالى تحريم الميتة كتبوا إلى مشركي قريش وكانوا أولياءهم في الجاهلية وكانت بينهم مكاتبة أن محمدا عليه الصلاة والسلام وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله تعالى ثم يزعمون أن ما ذبحوا فهو حلال وما ذبح الله تعالى فهو حرام - فوقع في أنفس أناس من المسلمين من ذلك شيء - فأنزل الله الآية.
وأخرج أبو داود والترمذي عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنأكل مما قتلنا ولا نأكل مما يقتل الله تعالى - فأنزل الله الآية 146.
قوله: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بئايته مؤمنين} الفاء متعلقة بما قبلها - وبيان ذلك أن المشركين كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتله الله أحق أن تأكلوه مما قتلتموه أنتم - فرد الله مقالتهم الباطلة مبينا لهم أنهم إن كانوا مؤمنين حقا فليأكلوا مما ذكر اسم الله عليه - وهو ما ذكي عند ذبحه بالقول:"باسم الله"ولا يحل غيره مما ذكر عليه اسم الله أو ما مات حتف أنفه - وذلك هو الحكم الصواب الذي يعيه المؤمنون ويوقنون أنه الحق لأنه من شرع الله فقال: {إن كنتم بئايته مؤمنين} .
119 - (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ)
قوله: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} ما استفهام تقريري - ما، مبتدأ - لكم في محل رفع خبره - والمعنى: وأي شيء يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه - مع أن الله جل وعلا بين للمؤمنين إباحة ما ذكر اسمه عليه وكذلك ما ذبحه أهل الكتاب، وتحريم ما أهل به لغير الله من الحيوان - وحذر الله مما سوله لهم الشيطان مما يحرم أكله كالميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية وغير ذلك مما حرمه الله من المطاعم - ويستثنى من ذلك ما اضطر إليه المؤمنون من المطاعم المحرمة كالميتة وغيرها من المحظورات حتى تزول الضرورة.
قوله: {وإن كثيرا ليضلوا بأهوائهم بغير علم} يبين الله أن كثيرا من المضلين الفاسقين يضلون أتباعهم المشركين بأن يحرموا عليهم الحلال ويحلوا لهم الحرام كالذين ابتدعوا من عند أنفسهم للناس فرية البحائر والسوائب والأوصال والحوامي ونحو ذلك مما لم ينزل الله به من سلطان - ومثل ذلك إنما يصدر عن هؤلاء المضلين تبعا لأهوائهم الفاسدة - إنه لا يصدر عن علم مقتبس من شريعة الله.
قوله: {إن ربك هو أعلم بالمعتدين} الله يعلم المعتدين المضلين الذين يتجاوزون الحق إلى الباطل، والحلال إلى الحرام - أولئك يجازيهم الله بما أساءوا وبما افتروا من الضلال والباطل 147.