أما الذي أنزل على هاروت وماروت ببابل فكان سحرا، وهو ابتلاء من الله للناس على سبيل الفتنة، ويكشف عن هذا المدلول قوله تعالى: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} - وعلى هذا فإن سليمان لم يكفر، وكذلك فإن الملكين ببابل لم يكفرا، لكن الله جعلهما ببابل وأنزل عليهما السحر، فتنة للناس وليبتليهم بهما وبما أنزل عليهما - ويدل على ذلك قولهما لمن يأتيهما من الناس: (إنما نحن فتنة فلا تكفر فكأنهما يشرحان للناس ما أنزل عليهما من بلاء وفتنة ثم يحذران كذلك من اتباع السحر.
ذلك الذي نستطيع ذكره هنا ولا نمضي في هذه القضية أكثر من ذلك، خشية الزلل والتكلف - وقوله: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} يراد بواو الجماعة في قوله {فيتعلمون} "السحرة"فهم الذين يقبلون على الملكين هاروت وماروت ليأخذوا منهما السحر من غير أن يعبأوا بالتحذير والنصيحة المقدمين من هذين الملكين قبل التعليم - بل كان السحرة يتعلمون منهما هذا الفن المحظور رغم النصيحة والزجر، ثم يمضون في الناس يفرقون بين المرء وزوجه بسحرهم والنفث فيهم.
قوله: (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم) ذلك نفي من الله لوقوع الضرر عن طريق السحر - والضمير (هم) بعد يعود على السحرة وقيل على اليهود، وقيل على الشياطين.
والمهم في ذلك أن هؤلاء الأشقياء لن يوقعوا بسحرهم ضررا بأحد (إلا بإذن الله) أي بإرادته وقضائه، لا بأمره فإن الله سبحانه لا يأمر بالشر والباطل، لكنه سبحانه لا يندّ عن إرادته وقضائه شيء أو حدث.
وفي الآية كذلك تقرير بأن الذين يمارسون السحر إنما يتعلمون ما ليس لهم فيه نفع أو خير، ولكنه يعود عليهم بالضرر في هذه الدنيا حيث الإهانة والزراية والنكال الذي يجب أن يحيق بالساحر المفتري الدجال - وكذلك فإن الضرر يعود عليهم في الآخرة حيث العذاب الأشد الذي يحيط بهذا الصنف من البشر الكاذب المحتال.
وقوله: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} يؤكد الله جلت قدرته أن هؤلاء اليهود يعلمون ألاّ خلاق لمن آثروا السحر على دين الله القويم الذي جاءهم وهو
الإسلام والخلاق هو النصيب واللازم في {لمن اشتراه} لام الابتداء - من بمعنى الذي في محل رفع مبتدأ - وخبره قوله: {ما له في الآخرة من خلاق} واشتراه، صلة الموصول 84.
وقوله: {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} يندد الله سبحانه بما باعث به يهود أنفسهم للشيطان حينما رضوا بالسحر بدلا من دعوة الحق التي دعاهم إليها النبي (صلى الله عليه وسلم) - فبئس ما صنع هؤلاء من صفقة خاسرة سوف تودي بهم إلى الهلاك والتخسير لو كانوا يعلمون ذلك.
وقوله: {ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خبر لو كانوا يعلمون} لو أن هؤلاء اليهود آمنوا إيمانا صحيحا يتضمن إيمانهم بدعوة الإسلام، وكذلك لو أنهم اتقوا الحرمات ومنها السحر، لكان لهم عند الله بذلك ثواب، وهو خير لهم مما أركسوا أنفسهم فيه وهو السحر - وهذه هي الحقيقة لو كانوا يعلمونها علم اليقين 85.
ولا بد هنا من كلمة في موقف الإسلام من السحر - فهل هو حقيقة أم غير ذلك؟ وما حكم الشرع في الساحر؟ وهل يباح العلم بالسحر؟