قوله: (واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمة إخوانا) أي اذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم التي أنعم بها عليكم حين كنتم مشركين إذ يقتل بعضكم بعضا ويخاصم الواحد منكم الآخر لا يحفزه أو يثيره إل مثل ذلك غير الحماقة الطاغية، والهوى الجامح الضال.
لقد كنتم على هذه الحال من عصبية الجاهلية برعونتها ومفاسدهاه وحماقاتها حتى قيض الله لكم هذا النبي الكريم للناس هاديا وبشيرا - وقيض لكم الإسلام ليكون لكم فيه الخير والسلامة والنجاة من كل العيوب والأوضار والشرور، (فأصبحتم) (صرتم) بذلك إخوانا في عقيدة الإسلام متحابين متآلفين متحدين بفعل هذا الدين الذي فيه سر نجاتكم وفلاحكم، والذي حوى من القيم والمعاني ما يغسل القلوب من الأدران وأوشاب الدنيا"، ويغسل الأذهان من شبهات التفكير الضال؛ لينقلب الإنسان إلى كائن جديد مميز ومفضال يفيض بالعطاء والخير - كائن سليم من الأمراض والعقد والشذوذ."
قوله: (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) شفا الشيء، أي حرفه - وهو اسم مقصور - مثل شفا البئر - أي حده وحرفه، وشفيره أشفى على الشيء، إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه أي حرفه، ومنه: أشفى المريض على الموت 189.
والمقصود أن هؤلاء المؤمنين كانوا قبل إسلامهم على طرف جهنم - وذلك بكفرهم وجاهليتهم الضالة حتى كادوا يكبكبون فيها لولا أن منّ الله عليهم بالإسلام فأنقذهم من النار - وكذلك تكون الحال لكل واحد من الناس أو أمة من الأمم فإنها قائمة موقوفة على شفير جهنم حتى لتوشك أن تهوي فيها إلا أن تفيء إلى كلمة الله - الكلمة الصادقة الأمينة- كلمة الإسلام العظيم - وفي ذلك ما ينتشل الإنسانية من رجس المفسدين ويفضي بها إلى النجاة والسعادة.
قوله: (كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) الكاف في اسم الإشارة في محل نصب، نائب مفعول مطلق أو في محل نصب على الحال - والمعنى أنه مثل ذلك البيان البليغ المذكور الذي عرفكم فيه ربكم كيد الكائدين وتربصهم بكم، وعرفكم مواقع نعمه وصنائعه لديكم فإنه يبين لكم (آياته) أي دلائله وحججه الساطعة (لعلكم تهتدون) أي لتهتدوا إلى سبيل الرشاد فلا تضلوا أو تتعثروا؛ لأنكم أصبحتم بذلك على جادة الصواب 190.
قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) الحرف من في قوله: (منكم) موضع خلاف في معناه وذلك على عدة أقوال:
أولها: أن"من"هنا للتبيين - وذلك كقوله: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) فيكون تقدير الكلام: كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر - والأصل في المسألة هنا أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة - فإنه ما من مكلف إلا ومنوط به أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر؛ وذلك للخبر"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه - وذلك أضعف الإيمان"وفي رواية"وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"191 ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجبا على الكل إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف عن الباقين - وذلك كقوله تعالى: (انفروا خفافا وثقالا) فالأمر عام، لكنه إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزوال التكليف عن الباقين.