فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 2536

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الآية محكمة غير منسوخة، فالأمر بالإنفاق في الآية للندب لا للوجوب فهو (الإنفاق) مندرج في صدقة التطوع إلا ما كان للوالدين فإن الإنفاق عليهما يأخذ حكم الوجوب لا الندب إلا إن كانا ذا يسرة ومال - ويمكن إلحاق بعض الأقربين بالوالدين من حيث الحكم بوجوب النفقة إن كانوا معسرين - وذلك كالأخوات والعمات والخالات أو الأخوة والأعمام والأخوال إن كانوا يبلغون من الأسنان عتيا ولا يقوون على العمل تحصيل الرزق، أما غير هؤلاء الأقارب ممن هم أقل درجة في القرابة فالنفقة لهم مندوبة - وكذلك (اليتامى والمساكين وابن السبيل) لا ينعقد لهم في ذمة المنفقين وجوب بالإنفاق، بل تكون النفقة عليهم من باب التطور لا الإجبار.

قوله: (وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم) ما اسم شرط، (تفعلوا من خير) جملة الشرط - وجوابه: (فإن الله به عليم) الفاء مقترنة بالجواب - وذلك تخصيص للمؤمنين على النفقة من أموالهم بسخاء على الأصناف المبينة وهم: الوالدون والأقربون واليتامى والمساكين وابن السبيل - والله جل وعلا لا يخفى عليه العمل الصالح، فإنه به عليم وهو مجازي الذين ينفقون أموالهم خالصة لوجهه 275.

قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (كتب) فعل مبني للمجهول - (القتال) نائب فاعل - (وهو كره لكم) الواو للحال والجملة الاسمية من المبتدأ والخبر في محل نصب حال.

وفي هذه الآية فرض القتال على هذه الأمة؛ لما في القتال من ترسيخ لقواعد الدين والشريعة وتثبيت لأسس الحق والعدل والأخلاق - ولما في القتال كذلك من درء لأسباب الشر والأشرار وتبديد لمعالم الفساد والمنكر وإذهاب لدعاة الجريمة والباطل من وجه الأرض - ولولا القتال الذي شرعه الإسلام لاستعلى المبطلون والأشرار ونفخوا بكيرهم في الأرض لينفثوا معالم الفساد بكل صوره وأشكاله ولظلت دعوة الحق واليقين عاجزة عن أب انتشار أو بلوغ للأسماع والأذهان.

أما الجهاد من حيث حكمه في الشريعة فهو فرض على الكفاية إذا اضطلع به فريق من المسلمين سقطت فرضيته عن الباقين من المكلفين في هذه الأمة، وتظل فرضية الجهاد على الكفاية إلا أن يتجاوز العدو في عدوانه فيجوس خلال المسلمين ويحتل جزءا من ديارهم - وفي مثل هذه الحال يصبح القتال فرض عين، أي تنشغل ذمة كل مسلم مكلف بعينه بفرضية القتال، فلا تبرأ هذه الذمة من هذا الواجب إلا بتأدية القتال، وذلك ما قام عليه إجماع المسلمين حول هذه القضية الهامة، ولا يفرط المسلمون في هذا الواجب العظيم إلا وتحيط بهم غواشي المهانة والذل، وتأخذهم قوارع التهديد والعدوان من كل مكان، تلك القوارع التي ما فتئت تتوالى على المسلمين فتذيقهم الويل والثبور والذل.

وقوله: (وهو كره لكم) أي أن الطباع تكره القتال؛ لما يفضي إليه من مخاطر الموت أو الجرح أو الخوف أو غير ذلك من مقتضيات الحروب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت