فهرس الكتاب

الصفحة 570 من 2536

قوله: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذي يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا) .

ذلك في المتلجلجين المرتابين الذين لا يثبتون على حال مستبينة من الإيمان أو الكفر، فتارة يؤمنون وأخرى يكفرون وثالثة يؤمنون، وبعد ذلك يرتكسون في الكفر ثم يزدادون شقاوة وارتكاسا - وتلك أسوأ حالات التردد في حياة الإنسان المتأرجح - الإنسان الذي يراوده التفكير المستديم بالنقلة من حال إلى حال من غير تثبّت أو استيقان، ومن غير اقتناع موثوق أو برهان إلا الرغبة الجانحة الهوجاء التي تسوّل للمرء أن يظل متأرجحا بين الإيمان والكفر أو بين التصديق والنفاق - وهذا الصنف المتلجلج من الناس الذي ينتكس مرتدا بعد إيمان ثم يقلع عن الكفر ليعود في حومة الإيمان من جديد، ثم تعاوده الشقاوة والضلال بعد ذلك ليبوء بالكفر مرة أخرى وعلى نحو مزيد من الكفران بما هو أشد وأعتى مما كان عليه حال كفره السابق، هذا الصنف من الناس (لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) ؛ وذلك لأنهم لجّوا في الكفر بالارتداد أكثر من مرة ثم تمادوا في كفرهم الأخير وماتوا وهم كفار - وهؤلاء لا توبة ولا غفران لهم وهم كذلك محرومون من أن يسلكوا سبيلا إلى الجنة - وإنما مردهم إلى النار وبئس القرار.

قوله: (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما) التبشير معناه الإخبار - وهؤلاء الذين بيّنتهم الآية وكشفت عن حالهم من الإيمان ثم الارتداد المتكرر ثم التمادي في الانتكاس والجحود، إن هؤلاء قد خالط نفوسهم وطبائعهم النفاق فهم صنف من المنافقين الذين يستحقون من الله العذاب الأليم في نار مستعرة تتلظى.

ومن أبرز الأخلاق المذمومة لهؤلاء المتلجلجين المنافقين ممالأتهم الكافرين واتخاذهم إياهم أعوانا وأنصارا من دون الله طلبا للعزة عندهم - والعزة هي المنعة والغلبة والقوة وخاطئ ذلك الذي يتصور العزة في الكافرين - إنه خاطئ وموغل في الخطيئة والوهم - فإن الكافرين لا يملكون العزة، فضلا عن إعطائها للآخرين وهم في الحقيقة خاوون من العزة، لكنهم يملكون من المظهر المصطنع والصورة المغالية في التوهيم والتخريص ما يخدع كثيرا من الناس فيبتغون عندهم العزة - مع أن الحقيقة التي لا شك فيها أن العزة لله جميعا - فهو وحده صاحب العزة ومصدرها وهو يؤتيها لمن يشاء من خلقه وينزعها عمن يشاء وليس له في ذلك نديد أو معقّب - فمن أراد القوّة والغلبة فليس له من دون الله أحد يبتغي عنده ذلك، والله تقدّست أسماؤه كفيل بإمداد العباد بالغلبة والنصر والسلطان إذا ما ركنوا إليه وحده دون سواه ثم اتخذوا من أجل ذلك الأسباب والمحاذير ولهم يلههم الأمل والتمني مجردين عن الحيطة والجد والعمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت