قوله: {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه} يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مسريا عنه كيلا يبتئس أو يحزن: لقد آتينا من قبلك موسى التوراة فاختلف فيها قومه؛ إذ كذب به بعضهم وصدقها آخرون، كالذي فعله قومك بالقرآن؛ فهم ما بين مصدق مطيع، ومكذب جاحد - فلك أسوة إذن بمن سبقك من النبيين، فلا يغيظنك تكذيب المشركين، ولا تك في ضيق من جحدوهم ومما يمكرون.
قوله: {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم} المراد بالكلمة: أن الله قضى أن يؤخرهم إلى يوم القيامة فلا يعالجهم بالعذاب في هذه الدنيا؛ فغنه لولا ذلك لقضي بين المكذبين منهم بالعذاب أو الاستئصال، وبين المصدقين بالإنجاء وخير الجزاء {وإنهم لفي شك منه مريب} أي أن هؤلاء المشركين لفي شك من حقيقة الكتاب أنه منزل عليهم من عند الله {مريب} أي موقعهم في الريبة وهي قلق النفس.
قوله: {وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم} قرئت إن بالتشديد وهو الأصل، مع تخفيف {لما} فتكون ما زائدة جيء بها للفصل بين اللام التي في خبر إن، ولا القسم في ليوفينهم - وقرئت {لما} مشددة مع تشديد إن - ووجه ذلك: أن يكون لما مصدر لم يلم بالتشديد - كقوله: {أكلا لما} .
وقيل: إن الأصل فيها (لمن لم) ثم أدغم النون في الميم فاجتمع بذلك ثلاث ميمات فحذفت الميم المكسورة - والتقدير: وإن كلا لمن خلق ليوفيهم - وقيل غير ذلك 138.
والمعنى: أن كل هؤلاء الذين قصصنا عليك أخبارهم لمن ليوفينهم ربك بالصالح من أعمالهم؛ بالجزيل من الثواب، وبالطالح منها؛ بشديد العقاب؛ أي إن الله سيجمع الأولين والآخرين من الأمم فيجزيهم بأعمالهم سواء منها الصالحة فيثيبهم عليها الثواب الكريم، أو الطالحة فيجازيهم عليها بعقابه الأليم {إنه بما تعلمون خبير} الله خبير بما يفعله هؤلاء المشركون، وهو سبحانه مطلع على أعمال المشركين الخاسرين سواء منها الخافي والمعلن؛ فهو محيط بذلك كله لا يغب عن عمله منه شيء 139.
قوله تعالى: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعلمون بصير 112 ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} استقم، من الاستقامة وهي الاعتدال 140؛ فالله يأمر نبيه صلى الله عليه وسل أن يسلك السبيل المعتدل المستقيم؛ وذلك بفعل ما تعبده بفعله وترك ما نهاه عن فعله - ولأمته فيه أسوة حسنة؛ إذ يقتدون به في سائر أفعاله وأقواله - وهو قوله: {ومن تاب معك} {من} في محل رفع معطوف على الضمير في {فاستقم} وقيل: في محل نصب؛ لأنه مفعول معه 141 - والمعنى: فاستقم أنت ومن تاب معك؛ أي ممن خلع الكفر والأنداد فرجع إلى ربه مسلما قانتا، استقم أنت وهم على منهج الله وطريقه الثابت القويم.
قوله: {ولا تطغوا} من الطغيان، وهو مجاوزة الحد؛ فهو مخالفة أوامر الله وعصيانه وذلكم الطغيان {إنه بما تعلمون بصير} الله يعلم ما يقوم به العباد وما يفعلونه، فما يغيب عن عمله من أفعالهم وأقوالهم وخفاياهم شيء؛ بل إن عمله محيط بكل شيء.