على أن المنكر ظاهرة قبيحة شنيعة تشيع من خلالها المفاسد والشرور والآثام بما يفضي بعد ذلك إلى فساد المجتمع وتفككه واضطرابه - فما من مسلم مكلف إلا وقد نيطت به وجيبة النهي عن المنكر من غير تعثر ولا تردد ولا خور - وإنما يأتي ذلك من خلال أساليب ثلاثة، أولها: النهي عن طريق الحجة الدامغة والبيان المؤثر الساطع - وسبيل ذلك اللسان.
وثانيها: القسر والشدة - وذلك للحيلولة دون وقع المنكر وكيلا يجترئ العصاة والأشرار على إتيان المحظورات وانتهاك الحرمات، وذلك إذا لم تجد الدلائل والبراهين والحجج - وسبيل ذلك القوة.
وثالثها: الامتعاض والإحساس بالغضب والمضاضة وكراهية ما يصنعه الآثمون الخاطئون من معاص ومنكرات - وسبيل ذلك القلب - وهو أن تشمئز نفس المسلم وتتغيظ من الفساد والمفسدين وذلك إذا لم يقتدر أن ينهى عن المنكر بشيء مما بيناه، لفرط ما يجده من ضرر محدق متوقع ربما أودى به أو ألحق به أذى لا يطاق، لو أنه تصدى للعصاة بالحجة الصريحة أو القسر والشدة - وفي ذلك كله روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطعه فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
قال ابن عطية في هذا الصدد: الإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين - فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه.
وعلى هذا فكراهية المنكر مجزية في تبرئة المسلم من الخطيئة حتى لو شهد العصاة متلبسين بها - فما دام قلبه حافلا بالامتعاض والألم مما يفعله العصاة الفاسقون كان بريئا وغير مقصر - أما لو لم يشهد المنكر لكنه قد علم به فرضيه ولم يتمعر وجهه غضبا ولا غيظا كان شريكا في الإثم - وفي هذا أخرج أبو داود عن ابن عميرة عن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - وقال مرة - فأنكرها كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها"- ولا ينبغي للمسلمين - والعلماء خاصة - أن يخذلهم الخوف فينثنوا عن الصدع بالحق أمام الحكام والأمراء، بل عليهم أن يجهروا بذلك في صراحة وشمم، كيلا يحتسبوا من الخائرين والمخذولين والجبناء - وفي هذا روى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه".
قوله: {لبئس ما كانوا يفعلون} اللام للقسم وبئس فعل جامد للماضي - ما اسم موصول بمعنى الذي في محل رفع - وتقديره: لبئس الذي كانوا يفعلون 162.
وذلك تقبيح لسوء ما فعله الكافرون من بني إسرائيل - وهو عدم تناهيهم عما كان يجري بينهم من منكر - وفي ذلك تنديد غليظ زاجر بكل من يمسك عن الأمر بالمعروف وينثنى دون النهي عن المنكر.
{ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا} المراد بالكثير منهم كعب بن الأشراف وأصحابه من اليهود - والمراد بالذين كفروا المشركون في مكة - فقد ذكر أن فريقا من اليهود خرجوا إلى مكة ليتفقوا مع مشركيها على محاربة الرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين.
وقيل في تأويل الآية: إن الكثير من علمائهم وقادتهم يوالون الجبارين والطغاة ويزينون لهم أعمالهم كيما ينفذوا خططهم ويتمكنوا من تحقيق مآربهم وأهوائهم.
قوله: {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم} أي لبئس ما قدموه من عمل ليجدوا جزاءه في الآخرة.