فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 2536

وقوله: (وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم) هذا المدلول وثيق الصلة بما سبق من أحكام ومدلولات وهو رد على أهل الكتاب- اليهود- الذين ساءهم تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى البيت العتيق مع أنهم (اليهود) يعلمون تمام العلم أن عملية التحويل لهي حق لا شك فيه، وأنها قد أوحي بها إلى النبي فامتثل لأمر الله سبحانه - وهم كذلك يقرأون في كتابهم التوراة أن هذا النبي لصادق، وأنه لا ينطق عن الهوى وأن ما جاءهم به إن هو إلا من عند الله ساء في ذلك الأخبار أو التكليفات الدينية مثل تحويل القبلة وغيرها.

قوله: (وما الله بغافل عما يعملون) ذلك تهديد مخوف يرعب الله به أولئك الجاحدين من أهل الكتاب الذين مردوا على المناكفة الغليظة والتحدي اللئيم، فأبوا إلا الله أن يقاوموا دعوة الإسلام فيناصبوه العداء والحرب من أول مجيئه حتى يومنا هذا وما بعده من أيام إلى قيام الساعة - وبذلك فإن الله يتهدد هؤلاء الفاسدين الجاحدين مرضى النفوس، وينذرهم بعذابه المنتظر والذي سيحيق بهم والله سبحانه ليس بغافل عنهم - وأداة النفي (ما) تعمل عمل ليس ولفظ الجلالة اسمها مرفوع - وخبرها غافل والباء زائدة.

145 - (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ)

قوله تعالى: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) .

وقوله: (ولئن) اللام موطئة للقسم: والله لئن أتيت - وقوله: (ما تبعوا قبلتك) جواب القسم المقدر المحذوف سد مسد جواب الشرط.

يبين الله لرسوله في هذه الآية أن أي دليل من المنطق أو الحجة أو الدين لن يحمل اليهود أو النصارى على الاقتناع فيتبعوا القبلة التي استقر عليها حكم الله نهائيا - وهم في ذك لا يدفعهم لمثل هذه المواقف غير التعصب والهوى وشدة المكابرة والعناد.

وكذلك فإن النبي (ص) ماضي على الحق باتباعه القبلة الأخيرة وهي البيت العتيق، وهو عليه السلام في ممتثل لأمر ربه مطيع لتوجيهه وشرعه دون أدنى تردد أو وناء - فما كان له البتة أن يتبع قبلة هؤلاء المشركين - والمشركون بدورهم معاندون مكابرون لا يتبعون قبلة الإسلام - بل إن الفريقين المشركين وهم النصارى واليهود مفترقان مختلفان متباينان لا تجمعهما قبلة واحدة، ولا يميل أحدهما لقبلة الفريق الآخر؛ ولذلك قال: (ومت بعضهم بتابع قبلة بعض) فاليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل مطلع الشمس، ثم يخوف الله عباده المؤمنين ويحذرهم من أتباه الكافرين في أهوائهم مع أنهم يعلمون تمام العلم أن محمدا (ص) نبي صادق، وأنه قد أوحي إليه من ربه - فيقول سبحانه في ذلك: (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين) وبالرغم من أن الخطب في ظاهره موجه للنبي (ص) ، لكن المقصود به المسلمون - فهم الذين يتعرضون لأسباب الفتنة وكل ظواهر الغواية والترهيب والتضليل والخداع، لكن النبي (ص) معصوم، مميز بفطرته المثلى وسجاياه العظام، لاجرم أنه لا تنال منه أعصاير الفتنة بكل ضروبها وألوانها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت