وترد مسألة في باب الخطأ في القتل وهي ما لو قتل جماعة واحدا خطأ - فهل تجب الكفارة عليهم مجتمعين أم أنها واجبة على كل واحد منهم بمفرده - جاء في ذلك قولان ظاهران - أولهما: أن الكفارة تجب على كل واحد من هؤلاء الذين قتلوا خطأ وذلك ما ذهب إليه الحسن البصري والنخعي ومالك والشافعي وابن حنبل والحنفية - ثانيهما: أن القاتلين مجتمعين تجب عليهم كفارة واحدة فقط، وهو قول طائفة من العلماء - إلا أن القول الأول هو الراجح لسببين: الأول: أن إيجاب الكفّارة على كل واحد من القاتلين لهو أوقع في نفس القاتل وأشد تأثيرا فيه بدلا عما اقترفه من تقصير وعدم تحفّظ واهتمام - لكن اشتراك الجميع في كفّارة واحدة أمر تتبسط به الكفارة كثيرا كيلا يبقى تأثير بعدها في نفس الجاني وهو المقصود من الكفارة - الثاني: أن كل واحد من القاتلين قد أسهم بنفسه في عملية القتل وشارك فيها مع الآخرين - وأن كل واحد منهم لو لم يقم بدوره في عملية القتل لما وقع القتل نفسه - وذلك يستوجب لزوم الكفارة على كل واحد من القاتلين 135.
قوله: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) وهذه إحدى الجرائم الفظيعة التي يشدد عليها الإسلام؛ لأنها غاية في البشاعة والنكر، ولأنها من القواصم الفادحة التي تضطرب بسببها أوضاع الناس فضلا عن إزهاق أرواحهم بغير حق.
إن الاعتداء على الإنسان بإزهاق روحه لهو من أنكر الفوادح والموبقات التي تودي بالفاعل المجرم إلى الدركات السحيقة من عذاب الله، وهو كذلك مجلبة لغضب الله ولعنته سبحانه، ليحيقا بالقاتل الأًثيم الذي يتجاسر في اجتراء كنود ظالم على قتل امرئ مؤمن، لا جرم أن ذلك غاية في النكر والفظاعة ولا غرو، فقد أعدّ الله لهؤلاء القتلة السفّاحين نارا تلظّى تصطلي بلهيبها جلودهم ليذوقوا وبال أمرهم - وهو عذاب شنيع لا يطاق يتكبكب فيه من تجرأ في صلف وظلم فأودى بحياة امرئ وادع مطمئن.
روى النسائي في سننه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله (ص) :"قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا"وروى أبو داود عن النبي (ص) قول:"لو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل رجل لأكبّهم الله في النار".
وأخرج النسائي أيضا بإسناده عن ابن عباس أنه سأله سائل فقال: يا أبا العبّاس هل للقاتل توبة؟ فقال له ابن عباس كالمتعجّب من مسألته: ماذا تقول! مرتين أو ثلاثا - ثم قال ابن عباس: ويحك! وأنّى له توبة! سمعت نبيّكم (ص) يقول:"يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه وتعالى: رب هذا قتلني فيقول الله تعالى للقاتل: تعست ويذهب به إلى النار".