فهرس الكتاب
قوله: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) إذا كان القتيل خطأ من قوم كافرين يعادون المسلمين فإن فيه الإعتاق فقط ولا دية هنا؛ وذلك لأن في الدية تقوية للأعداء على المسلمين - وأضاف بعضهم وجها آخر وهو ضعف حرمة هذا المؤمن الذي رضي البقاء في حومة الكافرين ولم يعمل على تخليص نفسه من إيذائهم وفتنتهم له - والله سبحانه يقول: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من وليتهم من شيء حتى يهاجروا) .
قوله: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين - -.) .
ثمة قولان في حقيقة القتيل: فهل المقصود به أنه مؤمن من أولي ميثاق مع المسلمين، أم أنه ذمي أو معاهد من قوم أولي ميثاق؟ ويأخذ بكل من هذين القولين فريق من العلماء، لكن الذي يترجح للمحقق القول الأول وهو أن الذي يقتل خطأ وهو مؤمن إن كان من قوم أولي ميثاق أو معاهدين فقد وجب فيه شيئان أولهما: الدية تدفع لورثة القتيل ويضطلع بأدائها عاقلة القاتل - ثانيهما: تحرير رقبة مؤمنة، وهو إعتاقها مثلما بينا سابقا - ووجه هذا القول الراجح أنه لو كان المقصود بالقتيل أن يكون ذميا من أولي ميثاق لما لزم وجوب الكفارة على القاتل وهو تحرير رقبة - ذلك أن تحرير الرقبة كما أوضحنا في حينه يشكّل عملية تعويض لإنسان بإنسان - فثمة إنسان عابد لله قد مات ثم حرّر إنسان عابد آخر من رق العبودية ليقوم مقامه - وذلك هو المعنى المفهوم في عملية التحرير.
وتجب الدية للقتيل خطأ في أحوال كثيرة منها: أن يقود احدهما الآخر فيسقط في حفرة أو بئر ثم يقع أحدهما على الآخر فيقتله - أو يسقط أحد الناس من أعلى على آخر في الأسفل فيموت الساقط أو الذي أسقط عليه - أو اثنان تصادما فمات أحدهما لشدة الصدمة - أو الفارسان يصطدمان فيموتان كلاهما أو يموت أحدهما - أو السفينة التي تجنح إلى الغرق بفعل القيادة السيئة ونتيجة للإهمال - أو السيارة تصدم أحد المارّة فإن كان ذلك عمدا ففيه القصاص، وإن كان خطأ ففيه الدية والكفّارة - وغير ذلك كثير من الأمثلة والنماذج على القتل الخطأ مما ليس موضعه هنا 133.
قوله: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) الذي لا يملك الرقبة وليس له مال يشتريها به وجب عليه أن يصوم شهرين على التتابع بغير انقطاع إلا لعذر شرعي مقبول كالحيض والنفاس والمرض - أما السفر فهو موضع خلاف من حيث كونه عذرا مشروعا - وغير ذلك من المعاذير لا تبرر قطع الصوم فلو صام شهرا ثم أفطر وجب عليه الاستئناف.
وثمة رأي بأن المقصود بغير الموجود هنا الدية مع الكفارة - وذلك قول ضعيف ومرجوح؛ لأن الدية في القتل الخطأ إنما تجب على العاقلة فلا يلزم منه إذن وجوب الصيام لشهرين متتابعين ما دامت الدية على العاقلة لا القاتل - وبذلك فإن المقصود بغير الموجود هو تحرير الرقبة فقط 134.
قوله: (توبة من الله وكان الله عليما حكيما) كذلك يتوب القاتل خطأ إذا لم يجد الكفارة وهي عتق رقبة، وذلك أن شهرين متتابعين بغير انقطاع جزاء لإهماله وعدم تحرّره - وقوله: (توبة) منصوب على المفعول المطلق، أو المفعول لأجله - (وكان الله) في الأزل الممتد والأبد الأبيد المديد - وهو سبحانه عالم بما يصلح عليه حال الناس من تشريع وحكم - أو من أوامر وزواجر - وهو كذلك له الكلمة البالغة فيما أوجب من تكليف أو فيما يصدر عنه من أمر ونهي فإنه في ذلك كله أحكم الحاكمين وأعلم العالمين.