فهرس الكتاب

الصفحة 522 من 2536

أما ما تعلم به حياته فقد اتفق العلماء على أنه يعتبر حيا فيما إذا ارتضع أو تنفّس بعد نزوله وكذلك إذا استهل صارخا أي جاء يبكي كعادة المولود لدى نزوله - فإن كانت الحالة كذلك فإن الدية تجب كاملة - لكن الشافعي وأبا حنيفة قد قالا بكفاية أدنى حركة لتدل على أنه حي - وخالف الإمام مالك في ذلك واشترط أن تقترن حياته لدى نزوله بطول الإقامة ليقضي فيه حينئذ بالدية كاملة - ذلك إذا ألقته أمه حيا ثم مات - أما إذا ألقته ميتا بسبب ضرب أو غيره فإن فيه غرة وهي عشر دية الأم - وذلك لما رواه المغيرة بن شعبة أن امرأتين لزوجين من الأنصار قد تغايرتا فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها فاختصم إلى النبي (ص) الرجلان فقالا: ندي من لا صاح ولا أكل ولا شرب ولا استهل فمثل ذلك يطلّ - أي كيف ندفع دية لمخلوق ليس كالأحياء من حيث الصياح أو الأكل أو الشرب ولم يستهل فإن من كان كذلك يطلّ أي يهدر دمه فقال النبي (ص) مستنكرا:"أسجع كسجع الأعراب"فقضى فيه غرة وجعلها على عاقلة المرأة - فإن كانت دية المرأة على العاقلة فإن غرة الجنين على العاقلة كذلك من باب القياس.

وإن ماتت الأم وبقي الجنين في بطنها فلا شيء فيه - وكذلك إذا خرج من بطنها ميتا بعد موتها فلا شيء فيه أيضا، وذلك موضع اتفاق العلماء وقيل إجماعهم - وخالف داود الظاهري في هذا وقال: إذا خرج الجنين ميتا بعد موت أمه فإن فيه الغرّة يستوي ذلك أن تلقيه الأم قبل موتها أو بعده ما دامت قد ضربت على بطنها وهي حية فالحكم هنا منوط بحياتها عند الضرب - وما أجمع عليه العلماء هو الصحيح ويعزز ذلك القياس وهو أنه لو ضربت الأم على بطنها وهي حية فماتت وهي حامل من غير أن ينزل الجنين فإنه لا شيء فيه - فالحكم نفسه إذا سقط الجنين بعد موتها.

وقد اتفق العلماء على أن الجنين إذا سقط حيا ثم مات فإنه تجب فيه الكفارة (عتق رقبة) والدية - أما إذا سقط الجنين ميتا فهل تجب فيه كفارة؟ ذلك موضع خلاف - فقد ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن فيه الغرّة مع الكفارة - وخالفهما الإمام مالك إذ استحسن الكفارة استحسانا دون وجوب - وقال الحنفية: لا كفارة في الجنين؛ لأن الشرع إنما أوجب الكفارة في النفس المطلقة.

وفي ميراث الغرّة عن الجنين خلاف - فقد قيل إنها (الغرّة) موروثة عن الجنين بمعنى أن الجنين قد توفي عن مال الغرة فأصبح هذا المال من نصيب ورثة الجنين على النحو المبين في كتاب الله وسنة نبيه (ص) - وذلك قول المالكية والشافعية والحنابلة.

وفي قول آخر بأن الغرّة من نصيب الأم وحدها - وتوجيه ذلك أن الجنين بمثابة عضو من أعضاء أمه، وإسقاطه يعتبر من باب الجناية الواقعة عليها (الأم) فاستحقّت بذلك الغرّة بدلا عما أصابها وهو قول أبي حنيفة، وقيل غير ذلك 132.

قوله: (إلا أن يصدقوا) أصلها يتصدقوا من التصدّق وهو الإعطاء - ومعنى ذلك أن يبرئ أولياء القتيل خصمهم القاتل مما لهم في ذمته من دية - والأصل في ذلك أن الدية حق للأولياء الورثة فلهم حق التنازل عن هذا الحق وإبراء من وجب في ذمته شيء من هذا الحق - لكن الكفارة لا حق لأحد في التنازل عنها؛ لأنها حق الله وليست حقا للعباد - فالقاتل خطأ تظل ذمته مشغولة بحق من حقوق الله، وتلك هي الكفارة وهي تحرير رقبة مؤمنة، ولا تبرأ هذه الذمة بعفو من الأولياء أو إبرائهم وإنما بالتحرير - وهو إذا ما حرر رقبة مؤمنة فإنه يتدارك ليقيم مؤمنا عتيقا مقام مؤمن آخر قد تسبب في قتله وقطعه من جماعة المؤمنين الذين يعبدون الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت