والمقصود تحذير المسلمين مما آلت إليه حال الأمم السالفة في تفرقهم إلى ملل وطوائف شتى، واختلافهم فيما بينهم اختلافا متباينا بسبب ركونهم للهوى وطاعتهم للنفس الجانحة للسوء واستسلامهم للطبع الخسيس الغلاب ألا وهو الحسد - يحذر الله هذه الأمة من الشقاق والفرقة والانقسام والتمزق طمعا في مكاسب دنيوية رخيصة، أو جريا وراء هوى جامح منحدر يهبط بصاحبه إلى أحط الدركات من الإسفاف والضعة والحقار.
يحذر الله من كل ظواهر التدابر والخصام من غير يقين في ذلك ولا برهان إلا محض الثرثرة واللغط واستمراء الجدل العقيم، أو انقيادا للوثة الحسد البغيض.
قوله: (من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لأهم عذاب عظيم) ذلك شأن أهل الكتاب فقد جاءتهم البينات وهي الآيات الواضحة التي تبين لهم الحق في غير إبهام والتي توجب الألفة والاتفاق وعدم الاختلاف، لكنهم مع ذلك تفرقوا واختلفوا - لا جرم أن عاقبة أولئك السوء وهو العذاب العظيم - فحذار أيها المسلمون أن يصيبكم ما أصابهم إذا نكصتم على أعقابكم فعصفت بكم رياح التفرق والاختلاف 195.
قوله تعالى: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانهم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون) ذلك كائن يوم القيامة حيث القواصم والشدائد وهول الحساب والميزان - هنالك تجد كل نفس ما عملت من خير أو سوء محضرا، وعندئذ يستيقن المرء من مآله إن كان في زمرة الناجين الفائزين بالنعيم أو كان في زمرة الخاسرين المكبكبين في سجّين - فإذا استيقن أنه ناج من العذاب استبشر وتهلل وغشيت وجهه غمرة من الإشراق والنضرة وعلائم الحبور، أما إذا استيقن أنه خاسر وأنه في الأذلين المعذبين غشيته غاشية من الاغتمام والعبوس وتظلل وجهة بظلة من سواد الإياس والابتئاس والعياذ بالله.
أولئك الخاسرون المبثورون يقال لهم حينئذ: (أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) ذلك استفهام بمعنى الإنكار وفيه من التقريع والتوبيخ ما يليق بهذا الصنف الشقي من الناس، وهم الكافرون والمنافقون وغيرهم من المضلين المفسدين الذين زاغوا عن محجة الإسلام وعن طريقه السوي السليم وهم يحسبون أنهم على شيء، لكنهم ليسوا في الحقيقة غير مضللين مخادعين، أولئك عن أهل الأهواء والبدع الكافرة، كالدهرية والسبأية والغرابية والعلوية والباطنية والمجسمة والمشبهة والثنوية والحشاشين والدروز - إلى غير هؤلاء من الزنادقة وأولي الأهواء الجانحة الضاربة في أغوار الضلالة والفسق.
إن هؤلاء جميعا سيقرّعون يوم القيامة تقريعا وسوف يبوءون بالمهانة والتهكم اللاذع ما يزيدهم إيلاما وحسرة.
قوله: (وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون) المقصود برحمة الله هنا الجنة - وهي دار النعيم المقيم الذي لا يتحول ولا يتبدل، تلك الدار مأوى المؤمنين المخلصين، وهم أهل السنة والجماعة الذي استقاموا على محجة الإسلام البيضاء من غير زيغ ولا اعوجاج ولا ابتداع، لا يحدوهم في ذلك غير الإخلاص لله وحده، بعيدا عن الأهواء وكل ظواهر الضلال وانحراف الفكر أو العقيدة.