قوله: {فلو شاء لهدكم أجمعين} الله قادر أن يجعل الناس كلهم مؤمنين - قادر أن يخلق بني آدم على طبيعة لا تعرف غير الهدى، فلا تميل للشر ولا تجنح للضلال البتة - قادر أن يجعل الإنسان على هذه الكيفية من التخلق، لكنه سبحانه شاء أن يجعله على غير هذه الخلقة الرفافة المثلى - فقد جعله حافلا بحوافز الفضائل وحوافز الشهوات، فهو بذلك مستجيب لنداء الهداية مثلما هو مستجيب لنداء الضلال، وذلك مستجيب لنداء الضلال، وذلك بما بث في كينونته من استعداد ذاتي مفطور لفعل كل من الخير والشر - فهو إذا ما مضى في طريق الهداية فقد اهتدى وأعانه الله على الخير وفعله - وإذا ما اختار أن يسلك طريق الباطل مكن الله له فعل ذلك بما أوتيه من استعداد جبل عليه في الأصل - وفي كل حال من الأحول أو خيار من خيارات الإنسان إنما يكون ذلك محوطا بقدرة الله وسلطانه - فهو مهما اختار أو فعل، وأنى سار أو توجه إنما هو سادر في قدر الله ومن خلال إرادته المطلقة التي لا تعرف القيود أو الحدود.
قوله: {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا} هلم اسم فعل أمر بمعنى هات - وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والمثنى والجمع والمعنى: هاتوا شهداء ليشهدوا أن الله حرم عليكم ما تزعون أنه حرم عليكم من الحروث والأنعام - فإن جاءوا بشهداء يشهدون على مقالتهم الكاذبة وافترائهم الفاضح فلا تصدقهم، لأنهم كاذبون يشهدون الزور ويتقولون على الله الباطل، ولذلك قال سبحانه: {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} .
قوله: {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بئايتنا} ذلك تحذير من الله لعباده المؤمنين من اتباع الفاسقين الطغاة الذين كذبوا بالوحي وبما أنزل الله للناس من كتاب - تحذير للمؤمنين قائم بقاء هذا الزمان، من الركون للظالمين الغواة الذين لا يتبعون في هذه الحياة غير الهوى والشهوات، ولا يسيرون في غير طريق الضلال والظلم - فليحذر المسلمون باستمرار من الاغترار بهم، والانخداع بسلوكهم وأساليبهم ومناهجهم المضلة الكافرة.
قوله: {والذين لا يؤمنون بالأخرة} معطوف على {الذين كذبوا بئايتنا} أي لا تتبع أهواء الذين كذبوا بآيتنا وأهواء الذين لا يؤمنون بالآخرة فهم مكذبون جاحدون - وهم بعد ذلك غير مؤتمنين على عقيدة أو ملة أو خلق - وما ينبغي لمؤمن بعد جحودهم وكفرانهم أن يثق بسلوكهم ومناهجهم، لأنهم إنما يتبعون الهوى ويسول لهم الشيطان أعمالهم.
قوله: {وهم بربهم يعدلون} من العدل، وهو الذي يعادل غيره في الوزن والقدر - وكذا العديل - ومنه التعادل أي التساوي 198 والمعنى أن هؤلاء المكذبين الجاحدين يجعلون لله عدلا مساويا - أو يتخذون معه شريكا في العبادة من الأوثان ونحوها - والجملة معطوفة على قوله: {لا يؤمنون} وقيل: في محل نصب على الحال 199.
151 - (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)