فهرس الكتاب
بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مكية وآياتها ثمان وعشرون - وهي في جملتها نقص علينا خبر واحد من رسل الله أولي العزم وهو نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام - هذا النبي الصابر العظيم الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده وأن يجتنبوا الشرك والأصنام، ويحذرهم عذاب الآخرة، فلم يجد منهم إلا الآذان الصّم والقلوب الغلف - ولقي منهم في ذلك أشد البلاء والعنت إذ آذوه شديد الأذى وعذبوه بالغ التعذيب، من شتم وضرب وازدراء، وهو يقابلهم بالصبر وبالغ الصفح والاحتمال خلال هذه المدة الطويلة - حتى إذا استيأس من إيمانهم وأيقن أنهم ساردون في الكفر والضلال وأن دعاءه إياهم لا يزيدهم إلا الإيغال في التكذيب والعصيان، هنالك دعا ربه أن يهلكهم ويقطع دابرهم فاستجاب الله دعاءه فأخذهم أخذ عزيز مقتدر واستأصلهم أيما استئصال.
بسم الله الرحمن الرحيم
{إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم 1 قال ياقوم إني لكم نذير مبين 2 أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون 3 يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخّر لو كنتم تعلمون} .
أرسل الله نبيه نوحا إلى قومه المشركين ليدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك والباطل، فلبث فيهم قرونا، يبلغهم ويحذرهم وينصح لهم وهو قوله: {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك} أن، المفسرة ويجوز أن تكون مصدرية - أي أرسلناه بالإنذار لقومه {من قبل أن يأتيهم عذاب أليم} وهو عذاب الآخرة أو الطوفان.
قوله: {قال ياقوم إني لكم نذير مبين}
أضاف قومه إلى نفسه ليظهر لهم إشفاقه عليهم
{إني لكم نذير مبين}
أي مبلّغ ظاهر النذارة واضح البيان والتبليغ.
قوله: {وأن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} أن تفسيرية، أو مصدرية - أي أذعنوا لله وحده بالطاعة والانقياد
{واتقوه} أي خافوه والتزموا أوامره وأحكام دينه
{وأطيعون} أي أطيعوني فيما آمركم به وأنهاكم عنه.
قوله: {يغفر لكم من ذنوبكم} من، فيها وجهان: أحدهما: أنها تبعيضية - أي يغفر بعض ذنوبكم وهي ما سبق - فإن الإسلام يجبّ ما كان قبله من الآثام والمعاصي - ثانيهما: أنها مزيدة 1 أي يغفر لكم ذنوبكم {ويؤخركم إلى أجل مسمى} أي يؤخركم إلى وقت موتكم وهو الأجل المقدور المحتوم - فإذا جاء هذا الأجل فإنه {لا يؤخر لو كنتم تعلمون} إذا حان الأجل وجاءت ساعة الموت فإن ذلك لا يرد ولا يقوى على دفعه دافع {لو كنتم تعلمون} أي لو علمتم ما سيحل بكم من فرط الندامة والفزع لبادرتم إلى الإيمان 2.