فهرس الكتاب

الصفحة 389 من 2536

ذلك ضرب من العتاب الرقيق يخاطب به الله المؤمنين أولي أحد - أولئك الذين حملوا النبي صلى الله عليه و سلم على القتال وألحوا عليه بالخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة - وقد كانوا يتسوقون لملاقاتهم في وقعة ثانية كوقعة بدر، خصوصا أولئك الذين فاتهم شرف الجهاد في بدر - لقد تمنى هؤلاء القتال والشهادة في سبيل الله من قبل، فلما كان يوم أحد انهزموا ولم يثبت منهم إلا نفر قليل من الخيار الأشاوش من الصحابة مثل أنس بن النضر عم أنس بن مالك، فإنه لما انكشف المسلمون قال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - وباشر القتال وقال: إيْهًا إنها ريح الجنة! إني لأجدها - ومضى حتى استشهد - قال أنس: فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بضعا وثمانين جراحة - وفيه في أمثاله نزل قوله تعالى: (رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه) .

قوله: (وأنتم تنظرون) الواو واو الحال، والجملة بعدها في محل نصب حال لرؤية القتال، أي رأيتم القتال أو ما هو سبب للموت (وأنتم تنظرون) تكرير بمعنى التأكيد.

قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين) .

قال ابن عباس وآخرون في سبب نزول هذه الآية: لما نزل النبي صلى الله عليه و سلم بأحد أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل، وأن لا ينتقلوا عن سواء كان الأمر لهم أو عليهم.

فلما وقفوا وحملوا على الكفار وهزموهم وقتل علي طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم، وشد الزبير والمقداد على المشركين، وحمل النبي ومعه الصحابة فهزموا أبا سفيان - ولما رأى بعض المسلمين انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة، وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم وكثر القتل في المسلمين، ورمى عبد الله بن قميئة فظن أنه قتل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: قد قتلت محمدا - وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد قتل، وكان الصارخ هو الشيطان - ففشا في الناس خبر القتل، وحينئذ تعثر المسلمون واضطرب حالهم، فقال بعضهم: ليت عبد الله بن أبي بن سلول يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان - وقال قوم من المنافقين: لو كان نبيا لما قتل ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم - فقال أنس بن النضر: يا قوم إن كان قد قتل محمد فإن رب محمد لا يموت وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ قاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه - ومر بعض المهاجرين بأنصاري يتشحط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل؟ فقال: إن كان قد قتل فقد بلّغ، قاتلوا على دينكم - ولما شج ابن قميئة وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم وكسر رباعيته، احتمله طلحة بن عبيد الله ودافع عنه أبو بكر وعلي رضي الله عنهم ونفر آخرون معهم 238.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت