ذلك برهان من الله للمشركين والمرتابين والمنافقين الذين يكذبون بيوم القيامة، وما فيها من بعث للموتى وتلاقيهم في الحشر للحساب - برهان ظاهر ومعقول تعيه القلوب والفِطَر وتستيقنه الأذهان والمدارك - برهان ساطع وميسور لا لبس فيه ولا تعسير {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} ومعلوم لكل ذي عقل أن السماوات والأرض شيء عظيم - بل إنهما في غاية السعة والضخامة وذلك بما فيهما وما بينهما من خلائق وكائنات وأشياء لا تحصى عددا - وكذلك ما يشدهما ويجمعهما ويؤلف بينهما من نظام كوني مذهل ونواميس أساسية مركوزة لا تتخلف - كل أولئك يدل على عظمة السماوات والأرض وأن خلقهما يفوق تصور البشر - أفليس الذي خلق ذلك بقادر على خلق الإنسان من جديد، وإعادته كرة ثانية بعد الموت - بل إن خلْقَ الإنسان مرة أخرى وإحياؤه من الرميم والرفات يوم المعاد لهو أهون وأصغر من خلْق هذا الكون الهائل الشامل المديد.
قوله: {بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} ذلك جواب من الله يدفع فيه تخريص الكافرين المكذبين بيوم الدين، ويؤكد فيه قدرته على الإعادة في يوم المعاد - فهو سبحانه {الْخَلاَّقُ} صيغة مبالغة لكثرة مخلوقاته {الْعَلِيمُ} عليم بكل شيء وعليم بخلق الكائنات وخلْق الإنسان ولا يفوت علمه من ذلك شيء.
قوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا} المراد بأمره: شأنه العظيم؛ فإنه إن أراد أن يخلُق شيئا {أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ} أي تكوَّن {فَيَكُونُ} أي فيحدث
فأمر الله سبحانه نافذ لا يُرد،
وحصول المأمور واقع لا محالة دون امتناع.
قوله: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} يُنزّه الله نفسه عن سائر العيوب والنقائص فله وحده الكمال وبالغ الجلال - وهو الخلاق المقتدر العليم {بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} {مَلَكُوتُ} بمعنى ملك، وزيادة الواو والتاء للمبالغة - مثل رحمة ورحموت، ورهبة ورهبوت، وجبر وجبروت؛ فالملك والملكوت واحد في المعنى؛ أي أن الله مالك كل شيء وبيده مقاليد السماوات والأرض - وما من شيء في الكون إلا وهو مملوك لله، مندرج في ملكوته وتحت قهره وسلطانه.
قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} كل شيء هالك إلى الله الواحد القهار - والناس حين تقوم الساعة صائرون إلى البعث والحشر من بعد ممات فهم جميعا عائدون إلى الله لملاقاة الحساب والجزاء، وحينئذ ينجو المؤمنون المصدقون، ويبوء المكذبون الجاحدون بالوبال والخسران 50.