فهرس الكتاب

الصفحة 1815 من 2536

ينبه الله على التفكر فيما خَلَقه من عجيب الخلائق الكثيرة والمختلفة - وهي بكثرتها وعجيب صنعها وكامل اتساقها وانسجامها وتكاملها، تدل قطعا على عظمة الخالق الصانع المدبّر وعلى أنه وحده متفرد بالخلق والإبداع، وليس له في ذلك شريك ولا نديد - وهو قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} {مّا} : نافية - والمراد بالتفكر؛ النظر والتدبر والتأمل في الكائنات وفيما خلق الله من أشياء كثيرة في السماوات بطباقها الواسعة المديدة، وفي الأرض وما حوته من مياه ومعادن وأناسي ونبات مختلف ألوانه وأجناسه - وما بين ذلك كله وما في خلاله من أجرام ومُركَّبات وكائنات إحياء وغير أحياء - أو لم يتفكر الناس في كل هذه المخلوقات العجائب؛ ليعلموا أنها لم تخلق عبثا ولا باطلا ولا سدى - بل خلقت بالحق؛ أي بالعدل، أو أن خلقها هو الحق، أو أن الله خلقها للحق.

قوله: {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي خلق الله السماوات والأرض إلى أجل مسمى ينتهيان إليه وهو يوم القيامة - فيومئذ تُبدل الأرض غير الأرض والسماوات.

قوله: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} اللام للتوكيد - والمعنى: أن كثيرا من الخلق جاحدون مكذوبون بالبعث والدين، منكرون للمعاد بعد الموت - لا جرم أن هؤلاء هالكون خاسرون.

9 - (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)

قوله: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} الاستفهام للتقريع والتوبيخ لهؤلاء المشركين الجاحدين الذين يكذبون بيوم الدين وينكرون نبوة رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلقد سار هؤلاء المكذبون الضالون في طريقهم إلى البلاد الأخرى تجارا، ورأوا ما حل بالأمم من قبلهم من خراب ودمار - أفلم يتدبروا ما رأوه فيخشوا ويزدجروا عن كفرهم وعصيانهم؟ - أفلا يخافون أن يحيق بهم ما حاق بالسابقين من تدمير وهلاك بسبب عصيانهم وتكذيبهم أنبياءهم الذين أرسلوا إليهم هداة مرشدين؟.

قوله: {كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} فقد كانوا أكثر من هؤلاء أموالا وأولادا، وأشد منهم بُنية وأجساما، وأطول أعمارا.

قوله: {وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} إعمار الأرض تهيئتها للحرث والزراعة؛ فقد عمر السابقون الأرض؛ أي حرثوها لمزاولة الزراعة فيها أكثر مما عمرها هؤلاء وهم مشركوا مكة؛ إذ لم يكونوا أهل حرث أو زراعة.

قوله: {وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} جاءهم المرسلون بالآيات الواضحة والدلائل الظاهرة على صدق ما جاءوهم به من عند الله لكنهم كذبوهم وجحدوا رسالتهم وأنكروا حججهم وبيناتهم فأنزل الله فيهم عذابه - فما أغنى عنهم بأسهم ولا قوتهم ولا أموالهم؛ بل أخذهم الله بالتدمير والإبادة {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} لم يعذبهم الله من غير ذنب فعلوه - ولكن يعذبهم بكفرهم وتكذيبهم وكبير معاصيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت