قوله: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} المراد بالذين ظلموا: الذين نصبوا للمسلمين الحرب وجاهروا بالعداوة والتصدي لمنهج الله بالعدوان والمكايدة، وأبوا إلا أن يتمالئوا على الإسلام بالتشويه والتشكيك والتنفير والافتراء، وعلى المسلمين بالعدوان ليقتلوهم أو يستذلوهم ويضعفوهم - وهؤلاء ظالمون معتدون، فما ينبغي للمسلمين أن يعاملوه بالحسنى، أو يركنوا إلى مجادلتهم بالرفق؛ إذ لا يجدي معهم غير سبيل القوة والتخويف دفعا لأذاهم وشرورهم عن الإسلام والمسلمين.
قوله: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ} يأمر الله المؤمنين -إذ حدثهم أهل الكتاب عما حوته كتبهم مما يمكن أن يكونوا فيه صادقين أو يكونوا فيه كاذبين- أن يقولوا لهم: {آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي صدقنا بما أنزل إلينا وأنزل إليكم في التوراة والإنجيل، ومعبودنا ومعبودكم واحد لا شريك له، ونحن له مستسلمون مذعنون بالطاعة والخضوع.
وبذلك إذا أُخبر المسلمون بما لا علم لهم به من التوراة والإنجيل مما لا يحتمل الحق والصدق أو التحريف والباطل فإنهم لا يبادرون إلى تصديقه أو تكذيبه؛ لأنه قد يكون حقا وقد يكون باطلا، بل إنهم يعلنون عن إيمانهم بهما إيمانا مجملا معلقا على شرط وهو كونه منزل من عند الله، غير مبدَّل ولا محرَّف - وفي هذا روى البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: {آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ."
قوله: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ} الكاف في اسم الإشارة صفة لمصدر محذوف؛ أي مثل ذلك الإنزال أنزلنا إليك الكتاب - وقيل: كما أنزلنا الكتاب على النبيين من قبلك أنزلنا عليك القرآن.
قوله: {فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} المراد مؤمنو أهل الكتاب؛ كعبد الله بن سلام وغيره من أحبار بني إسرائيل الذين قرءوا القرآن وآمنوا به واتبعوه.
قوله: {وَمِنْ هَؤُلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ} المراد بهؤلاء أهل مكة؛ فإن منهم من سمع القرآن فآمن واهتدى - وقيل: المراد بهؤلاء الذين بين ظهرانيك اليوم من بني إسرائيل ممن آمن بالقرآن 37.
قوله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} .