فهرس الكتاب
أما قولهم: إن محمدا شاعر فلا جرم أن ذلك أبعد في الجهل وأرسخ في الحماقة وتعْس الافتراء والتقوّل - فما كان القرآن إلا قرآنا - هكذا سماه الله؛ فهو ليس على ضرب من ضروب الكلام في أساليب العرب، كالشعر أو النثر أو السجع أو الخطابة؛ بل إنه قرآن وكفى.
قوله: (فليأتنا بآية كما أرسل الأولون) سألوا أن يأتيهم رسول الله مثل ما أوتي موسى العصا، ومثل ما أوتي صالح الناقة - مع أنهم يعلمون أكثر من غيرهم من سائر الأمم أن القرآن فيه من كمال الإعجاز ما يغنيهم عن سائر المعجزات الملموسة والمنظورة - لكنه العناد والجحود والاستكبار، وفرط النفور من الإذعان للحق والصواب.
قوله: (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها) أي ما أتينا أهل قرية من القرى السابقة من آية على يدي رسولها فأمنوا بها بل إنهم كذبوا بها فأهلكناهم بسبب تكذيبهم كقوم صالح وفرعون؛ إذ آتيناهم آياتنا فجحدوا بها فاستؤصلوا (أفهم يؤمنون) أفهؤلاء المشركون يؤمنون بالآيات لو رأوها - كلا إنهم لا يؤمنون؛ بل إنهم إذا رأوا ما سألوه من الآيات لسوف ينكثون كذلك.
قوله تعالى: {وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) } .
هذه تسلية وتأنيس من الله لرسوله (ص) ، في مقابلة ما قاله المشركون: إن محمدا بشرا مثلكم - والمعنى: أن الله لم يرسل قبل محمد (ص) إلا رجالا أوحي إليهم (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) أي إن كنتم لا تعلمون هذه الحقيقة أو لا تصدقونها فاسألوا أهل العلم بالتوراة والإنجيل؛ فإنهم يعلمون أن الله لم يرسل أنبياءه من غير البشر.
قوله: (وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام) لم يجعل الله المرسلين خارجين عن طبائع البشر، غير طامعين؛ بل كانوا كغيرهم من الناس يأكلون ويشربون (وما كانوا خالدين) لم يكتب لبشر الخلد في هذه الدنيا - وهذه حقيقة يستوي فيها النبيون وغير النبيين - وإنما يصير الجميع إلى الموت لا محالة.
قوله: (ثم صدقناهم الوعد) صدق الله أنبياءه وعده بإنجائهم من كيد الظالمين المجرمين، وإظهارهم عليهم بقدرته وتوفيقه (ومن نشاء) أي من المؤمنين الصادقين الذين اتبعوا المرسلين وعزروهم ونصروهم (وأهلكنا المسرفين) أهلكنا المكذبين المجاوزين للحدود بالكفر والمعاصي 4.
قوله تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا حامدين (15) } (ذكرهم) ، مرفوع على أنه مبتدأ - وفيه خبره - والجملة (فيه ذكركم) في موضع نصب صفة لكتاب 5.