فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 2536

وبعد تحقيق ذلك امتن الله عليه بالتوبة و الغفران.

و قوله: (فتاب) من التوبة و هي الرجوع إلى الله بالإقلاع عن المعاصي إلى الطاعات، وكذلك تكون توبة العبد إذ يؤوب إلى ربه طائعا نادما عما اجترحه من مخالفات، أما التوبة من الله فلا يتصور فيها الرجوع منه سبحانه، لكن القول الذي يمكن اعتماده في بيان ذلك هو أن الله عز و جل يقبل توبة العبد إذا تاب و أناب، لأنه سبحانه يقبل التوبة عن عباده - و الله من صفاته أنه (التواب الرحيم) فلا ريب في أنه دائم التوبة عظيم التجاوز عن الخطايا و الذنوب، و هو كذلك رحيم بعباده يغمرهم بواسع رحمته و فضله و إحسانه.

قوله تعالى: (قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون - و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ذلك تكرار للقرار الرباني العظيم بالهبوط إلى الأرض، و هو تكرار يقصد به التأكيد الذي لا ينفذ إليه تردد أو انثناء و هو أن ينزل آدم و زوجه إلى هذه المعمورة لتكون لهما عليها الذرية المنتشرة في بقاع الدنيا، و ليكون الصراع و الجد و العناء.

و قوله: (جميعا) منصوب على الحال - و الجملة الفعلية بعد القول في محل نصب مفعول به.

و قوله: (فإما يأتينكم مني هدى) أصل (فإما) : فإن ما، أدغمت إن الشرطية بما الزائدة، و الجملة الفعلية بعدها للشرط - و الهدى ما يهتدي به الإنسان إلى سواء السبيل، يستوي في ذلك كتاب الله أو الرسل أو الملائكة، فكل أولئك دعاة إلى الله يكشفون للبشرية عن دروب التوفيق و الخير، و يحذرونها من عواقب الضلالة و التعثر.

و قوله: (هدى) فاعل لفعل الشرط قبله - و جواب الشرط مقترن بالفاء و هو قوله: (فمن تبع هداي) - و ذلك شرط آخر يتضمن جملة الشرط (تبع هداي) و يتضمن أيضا جوابه (فلا خوف عليهم) أي أن جملة الشرط الثاني و جوابه جواب للشرط الأول.

هؤلاء المؤمنون الذين اتبعوا الهدى من ربهم هم الفائزون في الدارين - و أصدق ما ورد فيهم هذه المقالة الوجيزة العذبة و هي جواب الشرط الثاني (فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون) و خير ما قيل فيها من تفسير أن هؤلاء المؤمنين لا يخافون يوم القيامة يوم يخاف الناس و يوم ترتجف قلوبهم و أبدانهم، و ذلك لهول الموقف و جلال الخطب المروع - و كذلك فإنهم لا يحزنون كما يحزن الناس لدى مفارقتهم للدنيا حيث الصحب و الخلان و حيث العشيرة و الأهل و المال و الولد - و تلك أمور تشد إليها الإنسان شدا ليظل بها لصيقا من حيث حسه و عاطفته و هواه - فهو إذا ما أحس بفراق ذلك كله دهمته غمرة من الحزن المؤثر، لكن الذين هداهم الله لا يحزنون مثل ما يحزن هؤلاء، ليقينهم أنهم قادمون على خير من ذلك كله - فهم قادمون على رضوان من الله يملأ نفوسهم و أفئدتهم بالسكينة و الرضى و الحبور، ثم ما يتلو ذلك من عطاء الله الواسع مما لا عين رأت و أذن سمعت و لا طرأت على قلب بشر، جعلنا الله في زمتهم.

وقوله: (و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) اسم موصول (الذين (في محل رفع مبتدأ وخبره الجملة الاسمية بعد صلة الموصول أي(أولئك أصحاب النار) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت