قوله: {أنا أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} {أن} ، تفسيرية، أو مصدرية؛ أي إنذار الناس - أي أخبر الناس بما يخوفهم عواقب الإدبار والنكول عن الإيمان - {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} أطلقت القدم على السبق على سبيل المجاز - والمراد به الشرف والتقدم نحو الرفيع من المنازل.
وقيل: المراد بقدم الصدق: شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم - وقيل: السعادة السابقة للمؤمنين من هذه الأمة في اللوح المحفوظ.
قوله: {قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} لما أنذرهم الرسول صلى الله عليه وسلم وبشرهم بادر المشركون من العرب بالقول {إن هذا لساحر مبين} والإشارة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فهو في زعمهم المريض ووهمهم الباطل ساحر ظاهر، قد فرق شملهم وجال بين القريب منهم وقريبه - وهذا إشعار بعجز العرب عن مضاهاة القرآن أو معارضته أو اصطناع شيء مثله - فما وجدوا بعد ذلك سبيلا يسلكونه أو ذريعة يستمسكون بها للنيل من القرآن والطعن فيه إلا أن قالوا: إن محمدا لساحر وأن ما جاءهم به سحر - لا جرم أن ذلك دليل أبلج على صدق هذا الكتاب الحكيم - وأنه معجز خارج عن طوق البشر بل إنه منزل من خالق الكائنات والقدر - وما دون ذلك من لغط ليس إلا الهذيان المتلجلج، والإسفاف التافه المهين الذي ينحدر إليه الضالون المضلون من أعداء الإسلام في كل مكان وزمان 2.
قوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذالكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون} ما كان ينبغي للمشركين المكذبين أن يعجبوا من إرسال رجل منهم منذرا لهم ومبشرا؛ فالله جلت قدرته رؤوف بعباده، يريد لهم الخير والهداية والرشاد، وهو قادر على ذلك؛ بل إنه قادر على كل شيء؛ فهو مالك كل ما حواه الكون من مخاليق وأشياء، وهو {الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام} واختلفوا في حقيقة المراد بهذه الأيام - فقيل: إن تلك الأيام من أيام الآخرة التي يعدل اليوم الواحد منها ألف سنة مما يعده الناس - وقيل: مقدار ستة أيام من أيام الدنيا - وهو الظاهر؛ لأنه المعروف لنا.
قوله: {ثم استوى على العرش} هذا القول وأمثاله من متشابه القرآن - وللعلماء في تأويله مذاهب شتى؛ فقد قيل: الاستواء بمعنى الاستيلاء - وقيل: الاستواء على العرش كناية عن الملك والسلطان - وذلك بيان لجلال ملك الله، وعظيم شأنه، وبالغ قدرته؛ إذ خلق هاتيك الأجرام العظيمة كافة.
قوله: {يدبر الأمر} في محل نصب على الحال - وقيل: في محل رفع خبر ثان إن - وقيل: مستأنف لا محل له من الإعراب 3.
قوله: {يدبر الأمر} {يدبر} ، من التدبير ومعناه في اللغة: النظر في عاقبة الأمر 4.
والمراد به هنا: التقدير على أكمل وجه أتمه؛ فالله سبحانه يقضي أمور الكائنات كلها على الوجه الفائق والأكمل حسبما تستدعيه حكمة الله البالغة.