قوله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون 65 قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين 66 قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين 67 أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين 68 أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا الآلاء الله لعلكم تفلحون} .
لقد أرسل الله نبيه ورسوله هودا عليه السلام إلى قوم عاد وهو قوله: {وإلى عاد أخاهم هودا} أي صاحبهم - وقيل: أخوهم في القبيلة - وكان هود أوسط قومه نسبا وأفضلهم حسبا - أما عاد فهم من ولد سام بن نوح - كانوا ينزلون الرمال بنواحي حضر موت من اليمن - وكانوا أهل بساتين وزروع وعمارة - وظاهر حقيقتهم ووصفهم أنهم كانوا عتاة غلاظا أشداء، عبدوا الأصنام وعتوا عن أمر ربهم عتوا شديدا لما دعاهم نبيهم هود؛ إذ قال لهم: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره أفلا تتقون} أي اقبلوا على الله بالتصديق والطاعة، وأفردوا له العبادة، وأعتقوا أنفسكم من العبودية للأصنام؛ فغنه ليس لكم من إله معبود يستوجب منكم الخضوع والامتثال سوى الله - فهو خالقكم وخالق أصنامكم، وهو الذي ذرأ لكم ما تتقلبون فيه من نعيم الدنيا ورخائها {أفلا تتقون} أي أفلا تخافون الله فتحذروه وتخشوا عقابه فتبادروا الإيمان به والطاعة له قبل ان يحل عليكم غضب الله وعذابه.
قوله: {قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين} ذلك جواب القوم الظالمين -قوم عاد- إذ كذبوا نبيهم تكذيبا وجحدوا توحيد ربهم عنادا واستكبارا {إنا لتراك في سفاهة} والسفاهة في الأصل الخفة، والمراد بها نقص العقل 109 أي نجد أنك يا هود ناقص عقل وضال عن الحق والصواب؛ إذ فاقت قومك وتركت دين آبائك وعبادة آلهتهم {وإنا لنظنك من الكاذبين} قيل: الظن هنا بمعنى العلم - أي نعلم يا هود أنك من الكاذبين في دعواك حمل الرسالة وقيلك إنك مرسل من ربك - وقيل: الظن جار على ظاهره وهو خلاف اليقين - فقد قالوا ما قالوه مع كونه عليه السلام معروفا بصدقه وأمانته.
قوله: {قال يا قوم ليس بي سفاهة ولاكني رسول من رب العالمين} هذا رد من داود للسفاهة عن نفسه في خطاب رفيق لقومه - خطاب تبدوا فيه نداوة الإشفاق على قومه والتجنب لهم؛ استمالة لقلوبهم الفظة - وذلك في قوله: {يا قوم} فهم أهله وعشيرته وقومه وهو من جنسهم يسوؤه ما يصيبهم من عنت.
وقد نفي هود عن نفسه أيما سفاهة؛ فإنه ما ضل ولا مال عن الحق والصواب - ولكنه مرسل من ربه جاء يبلغ الناس رسالة ربهم ففيها الهداية لهم والترشيد، وفيها ما يصلح عليه حالهم في الحياة وفي المعاد وهو قوله: {أبلغكم رسالات رب وأنا لكم ناصح أمين}
قوله: {أبلغكم رسالات رب وأنا لكم ناصح أمين} أي أنصح لكم في دعوتي لكم وتبليغي إياكم، وما أقول لكم إلا الحق والصدق، وما أريد لكم إلا الإصلاح والخير والنجاة.