فهرس الكتاب
وتسير الجبال، يعني إذهابها وإزالتها عن وجه الأرض بأن تصبح هباء مبثوثا متطايرا في أرجاء الفضاء الواسع.
قوله: (وترى الأرض بارزة) أي ظاهرة ماثلة لا يسترها شيء من جبال أو أشجار أو عمران، تمشيا مع حدث القيامة الجلل، الحدث المزلزل الفظيع الذي يتغير فيه وجه الكون وتتبدل فيه صورة السماوات والأرض مما يزيد من هول المنظر المرعب في هذا اليوم العصيب حيث الخوف والندم والإياس والاستحسار.
قوله: (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا) (نغادر) ، نترك، ومنه الغدير؛ فهو القطعة من الماء يغادرها السيل - وأغدره بمعنى تركه 63، فالله جل وعلا يجمع الناس يوم القيامة في أرض المحشر ليلاقوا الحساب، دون أن يترك منهم أحدا؛ بل الله جامعهم جميعا سواء فيهم الكبراء والأمراء والزعماء وأولوا الجاه والطول، أو المرؤوسون والعالة والأراذل والمستضعفون، كل أولئك مجموعون يوم القيامة للحشر الذي تغيب فيه الجاهات والزعامات والاعتبارات الزائفة الكاذبة والموهومة.
قوله: (وعرضوا على ربك صفا) يعرض العباد على ربهم يوم القيامة (صفا) أي صفوفا ليكونوا صفا بعد صف كالصفوف في الصلاة - وقيل غير ذلك في صفة الصف - وكيفما تكن هيئة الاصطفاف في الآخرة فإن موضع الإثارة في ذلك الحين ما يدْهم الخلائق من شدة الوجل، وبالغ الذعر والإياس وهم يصطفون مذعورين ذاهلين - ثم يقال لهم حينئذ: (لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة) أي جئتمونا كما خلقناكم حفاة عراة غرلا، لا مال معكم ولا أنصار لكم - وفي صحيح مسلم عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول:"يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا"قلت: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال:"يا عائشة، الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض"وغرلا، أي مختونين.
قوله: (بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا) يقال ذلك على سبيل التوبيخ والتقريع والتعنيف لمنكري البعث الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة فتاهوا في الغي والباطل - أولئك ما كان ظنهم أن الساعة قائمة وأن الحساب ملاقيهم.
قوله: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه) (الكتاب) ، هو كتاب أعمال العباد جميعا سواء فيها الكبير والصغير أو الجليل والحقير وحينئذ ينظر المجرمون المستيئسون إلى كتاب أعمالهم وجلين مذعورين بسبب تفريطهم ومما حواه كتابهم من المعاصي والمنكرات.
قوله: (ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) هؤلاء المجرمون الخاطئون ينادون يوم القيامة بالويل والندامة بسبب تفريطهم وخسرانهم، فيقولون: يا ويلنا ويا حسرتنا (مال هذا الكتاب) أي ما شأن هذا الكتاب لا يترك ولا يبقي ذنبا صغيرا ولا كبيرا من ذنوبنا إلا حفظه - وصغائر الذنوب محقراتها وهي اللمم كالمسيس (المسّ) والقُبل - أما الكبيرة فهي الزنا - على أن المؤمن المتعظ يحرص أن لا تطوقه الصغائر ومحقرات الذنوب؛ فإنها تجتمع على المرء فتهلكه.