واختلف العلماء في المقصود بالنفقة هنا، فقد قيل: يقصد بها الزكاة المقروضة، وقيل: بل هي صدقة التطوع غير المقروضة، وفي قول آخر بأن المقصود ما أنفقه المرء على أهله وعياله أو من وجبت نفقتهم عليه، والقول الذي نرجحه ونطمئن إليه، أن النفقة عامة تتناول كل وجوه الإنفاق من فريضة وتطوع، وما كان لأهل أو عيال أو غيرهم - 1
وقوله: (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) .
ثمة خلاف بين أئمة التفسير في المقصود بالموصوف في هذه الآية، فقد قيل إنهم أهل الكتاب الذين آمنوا بهذا النبي وما أنزل عليه من كتاب وما أنزل على النبيين من قبله، أما المقصود بالموصوف في الآية السابقة لهذه فهم مؤمنو العرب.
أما القول الثاني: فهو أن المقصود بالموصوفين في الآيتين هم المؤمنون عموما سواء كانوا من العرب أو من أهل الكتاب، والذي يترجم لدي هو القول بأن الآيتين كلتيهما نزلتا في المؤمنين عموما.
وفي هذه الآية يثني الله على عباده المؤمنين الذين يصدقون القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وما نزل على النبيين قبله من كتب، وهم كذلك مؤمنون دون شك أو ارتياب أن الساعة قائمة، وأن الله سيبعث من في القبور، وهو تأويل قوله (وبالآخرة هم يوقنون (أي عالمون، واليقين معناه العلم دون الشك.
وقوله: (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (اسم الإشارة (أولئك (يعود على من سبقت صفاتهم في الآية من إيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، وإنفاق من عطاء الله، وإيمان بالكتب السماوية كلها دون تفريق بين أحد منها، وكذلك من تصديق بيوم القيامة وما يتخللها من أهوال وقوارع، فإن الموصوفين بذلك جميعا على هداية من الله وبصيرة ونور، ومن حيث الإعراب فإن (أولئك (اسم إشارة في محل رفع مبتدأ وخبره شبه الجملة بعده وهو قوله: (على هدى من ربهم (وقوله: (وأولئك هم المفلحون (أولئك، اسم إشارة في محل رفع مبتدأ هم، ضمير الفصل، خبر أولئك، والمفلحون من الإفلاح وهو الفوز والنجاة، وقيل: معناه الشق والقطع، مثلما يقال: أفلح الأرض أي شقها بالحرث، لتكون صالحة للإنبات والزرع، وبناء على ذلك فإن (المفلحون (هم الذين يشقون طريقهم في الحياة فيحتملون المتاعب والمصاعب، كما تتحقق لهم الأهداف والمطالب، أو هم الذين يصبرون على طاعة الله بالتصديق واليقين وأداء الواجبات جميعا ليفوزوا بعطاء الله في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: (إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (الكفر معناه الجحد، وهو أن يجحد الكافر نعمة الله وفضله فيقابله بالعصيان والإنكار، ويأتي بمعنى الستر والتغطية، فالكافرون هم الذين يسترون الحق ويغطونه بغشاء الباطل لسوء في طبائعهم ومرض في قلوبهم، والكفار هم الزراع الذين يغطون الحب في الأرض بعد شقها ليستروه بالتراب، وفي ذلك يقول سبحانه: (كمثل غيث أعجب الكفار نباته (أي أن النبات قد أعجب الزراع الذين طمروا حباته في الأرض.