وقيل: نولي، من الولي وهو الناصر والحليف - أي نجعل الظالمين حلفاء ونصراء ومتعاونين فيما بينهم على الكفر والضلال والباطل - وذلك هو ديدن الكافرين الظالمين من أهل الباطل في كل زمان ومكان - إنهم يوالي بعضهم بعضا - أي يناصر بعضهم الآخر لما بينهم من شعيرة التحالف والتعاون على الشر والباطل - بل على الإضرار بالمؤمنين بفعل ما يؤذيهم وينزل بساحتهم الشرور والمفاسد والموبقات.
قوله: {بما كانوا يكسبون} أي نولي بعضهم بعضا بسبب ما اكتسبوه من الذنوب والمعاصي 166.
130 - (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ)
قوله: {يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ءايتي وينذروكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحيوة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كفرين} .
شرع بعد ذلك في تقريع المعشرين (الإنس والجن) وتوبيخهم بسبب تفريطهم وإجرامهم في حق أنفسهم وحق الآخرين - ومثل هذا التوبيخ والتقريع إلى جملة التنكيل الذي سيلاقيه المفرطون العصاة من الإنس والجن - فقال سبحانه: {يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ءايتي} .
هذا قول الله للكافرين من الإنس والجن يوم القيامة موبخا لهم توبيخا: ألم أبعث إليكم رسلي يخبرونكم بما أوحي إليهم مما فيه تنبيهكم وإرشادكم وتفصيل الدلائل والحجج لكم على توحيدي وصدق أنبيائي ولزوم ائتماركم بأوامري والانتهاء إلى حدودي؟
لكن هل التأويل اختلفوا في الجن هل أرسل منهم إليهم مرسلون أم لا؟ فقد قيل: أرسل الله من الجن رسلا كما أرسل من الإنس، استدلالا بهذه الآية - وقيل: لم يرسل الله من الجن رسلا إليهم ولم يكن منهم قط رسول - وإنما الرسل من الإنس خاصة - أما الجن فمنهم النذر، بدليل قوله تعالى عن الجن: {ولوا إلى قومهم منذرين} وذهب إلى هذا ابن عباس - وقالوا في تأويل قوله: {ألم يأتكم رسل} إن المراد كون الرسل من أحد الفريقين كما قال سبحانه: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من الماء الملح دون العذب منهما - وإنما المعنى أنه يخرج من بعضهما أو من أحدهما.
قوله: {وينذروكم لقاء يومكم هذا} أي أرسل الله المرسلين إلى معشر الجن والإنس ليخوفوهم من أهوال هذا اليوم العصيب - اليوم الذي يحشرون فيه إلى ربهم فيجدون فيه من البلايا والويلات ما ليس له في نوائب الدنيا نظير.
قوله: {قالوا شهدنا على أنفسنا} هذه شهادة الظالمين على أنفسهم يوم القيامة من غير زيغ أو إنكار أو دوران - وإنما الاعتراف الواضح المكشوف بجيئة المرسلين إليهم وتبليغهم إياهم دعوة ولزوم التصديق والائتمار بأوامر الله.