قوله: (وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) أي يجعلهم الله آمنين مطمئنين بعد أن كانوا خائفين وجلين من أعداء الله المجرمين - كذلك كانت حال المسلمين قبل هجرتهم من مكة وبعدها بقليل - كانت تحيط بهم أسباب الخوف والذعر - وكان الأعداء الظالمون يحيطون بهم من كل جانب حتى منّ الله عليهم عقب ذلك بالنصر والأمن والتمكين في الأرض، فجعلهم آمنين سالمين لا يخشون أحدا إلا الله - بعد أن أذل الله المشركين والظالمين والمتربصين، وساقهم الهوان والخزي - وهو مصير المجرمين من أعداء الله والدين، أعداء المسلمين في كل زمان ومكان - لسوف يسومهم الله الوبال والمهانة والقهر جزاء أفاعليهم النكراء وجرائمهم البشعة في حق المسلمين - وذلك بعد أن يفيق المسلمون من غفلتهم وينهضوا من كبوتهم فيعاودوا الاستمساك بعقيدة الإسلام والالتفاف من حول هذا الدين الكريم ليجعل الله لهم النصر والمنعة والاستعلاء - وحينئذ تكون لهم الريادة والسيادة على العالمين فينطلقون في أرجاء الأرض مبشرين بدين الله الحق، حاملين ألوية الهداية والرحمة للبشرية.
قوله: (يعبدونني لا يشركون بي شيئا) (يعبدونني) ، جملة فعلية في محل نصب على الحال 74؛ أي يذعنون لي بالطاعة والخضوع ويستسلمون لما أمرتهم به، ولا يعبدون أحدا من دوني يتخذونهم شركاء كالأرباب المزيفة المصطنعة.
قوله: (ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) (كفر) هنا من الكفران وهو جحود النعمة؛ أي من جحد ما أنعمه الله عليه فهو من العصاة الجاحدين لنعم الله - ومن عظائم نعم الله: تمكين المسلمين في الأرض ليكونوا أقوياء أولي مهابة وشوكة وسلطان.
والمسلمون باقون على حالهم من القوة والبأس وظهور الشوكة ماداموا معتصمين بحبل الله، ساربين في طريق الحق والعدل، سائرين على منهج الله - المنهج الكامل الشامل السديد وهو الإسلام - حتى إذا ضل المسلمون عن دينهم أو زاغوا عن منهج الله واستعاضوا عنه بشرائع الكفر والكافرين وانفتلوا عن صراط ربهم انفتالا أفضى بهم من الفسق والعصيان واتباع الأهواء والشهوات والملذات وركنوا إلى الدنيا بزينتها ومتاعها وزخرفها، حينئذ ينساهم الله ويدعهم وشأنهم، فما يصيرون بعد ذلك إلا إلى التخلخل والخور والانهيار لتتقطع أوصالهم، وتنتقض عرى الوحدة والأخوة فيهم، فيبيتون عرضة لتكالب المشركين والظالمين عليهم؛ إذ ينقضون عليهم انقضاضا من كل جانب ليقتلوهم تقتيلا ويمزقوهم شر تمزيق وليقطعوهم شذر مذر، وليستبيحوا كل حرماتهم، فيجوسوا خلال ديارهم فلا يراعوا فيهم إلا ولا ذمة - كالذي حل بالمسلمين في كثير من بقاع الأرض مثل: الأندلس وفلسطين وكشمير وبلاد البوسنة وغير ذلك من بلاد المسلمين التي عاث فيها المجرمون الظالمون تقتيلا وتدميرا وتخريبا.
ومع كل هذه المآسي والويلات والعظائم المريعة التي نزلت بساحة المسلمين، فما زالت طائفة من المسلمين تعمل في جد ويقظة وحرص؛ لإظهار شأن الإسلام وإعادة مجده وعزه وسلطانه، لا يصدها عن هذا المسعى بأس عدو ولا فتنة ظالم متربص - وهم ماضون لأمر الله في ثبات وعزم ويقين بالرغم من كل المؤامرات والمكائد التي يخطط لها الظالمون من الصليبيين والوثنيين والملحدين والاستعماريين والصهيونيين، حتى يحكم الله لأوليائه الثابتين الصابرين بالنصر والغلبة - وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله (ص) أنه قال:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة"75.