فهرس الكتاب

الصفحة 1640 من 2536

ومن الحق الذي لا مراء فيه أن خلافة الراشدين الأربعة كانت خير فترة من الزمان سجلها تاريخ الإنسانية ومرت بها الأجيال من البشر، بما تجلى فيها من بالغ العدل والتُّقى والرحمة، وكامل الفضل والطهر والاستقامة والأمان، فضلا عما تحقق في أشخاص ذلك الجيل الفريد من عجائب القيم والمثاليات المثيرة المذهلة - والحديث عن طهر الخلفاء الأربعة الراشدين وعن زهدهم وبالغ إخلاصهم وتجردهم من حظوظ الدنيا يطول - وكفى شاهدا على ذلك قول الرسول (ص) :"خير القرون قرني".

أما الخلفاء والولاة من بعد الراشدين الأربعة فقد أبلوا عظيم البلاء في نشر الإسلام وترسيخ قواعده وأركانه وتثبيت حضارته وبنيانه الشامخ في أنحاء الدنيا، بالرغم مما قيل في حقهم من بعض القوادح المنسوبة إليهم.

فهم كغيرهم من البشر لا ينجون من الزلل أو القوادح أو الخطل؛ لأنهم أناس من جنس البشر لا تصدهم عن الأخطاء والزلات عِصْمة - ومع ذلك فإن زلاتهم بالغة الهوان بالنظر إلى ما تثيره حول أشخاصهم وعن سيرتهم أقلام الحاقدين والمتربصين الذين يكرهون الإسلام - أولئك الأفاكون الخراصون الذين زيفوا التاريخ من حول الإسلام وأشاعوا عنه وعن رجاله من الحكام والولاة والخلفاء ما هم منه برآء - كالذي قيل افتراء وزورا عن الخليفة العظيم هارون الرشيد وغيره من ساسة المسلمين.

وكيفما يكن الأمر فإن هؤلاء الساسة الميامين قد نشروا الإسلام في الأرض وحملوا لواء الحق والعدل والعلم في ربوع العالمين، وأشاعوا بين العباد كل ظواهر الأمن والرخاء والاستقرار، وأحلوا شعوبهم وأممهم دار الكرامة والمجد والإحساس بالعزة والاستعلاء والثقة، فكانوا سادة الدنيا وكانوا أقوياء أشداء يهابهم الظالمون من حولهم، وترتعد من بأسهم وسلطانهم وعظيم شوكتهم فرائص المجرمين الماكرين الذين يكرهون الإسلام والمسلمين.

إن ما حُسب على الخلفاء من بني أمية والعباس والذين جاءوا من بعدهم، من الأخطاء والزلات، ما ينبغي إلا أن تنمحي من الذاكرة كليا كلما ذكرنا صنائع هؤلاء الولاة الأعاظم من الفتوحات وبناء الحضارات الهائلة التي تفيض بالعلم والاستقرار والبحبوحة والاستقرار والعزة والمهابة لأمة الإسلام.

على أن هذا الوعد من الله بالنصر والتمكين والتأييد إنما هو لجميع المسلمين في كل زمان؛ لأن الآية عامة لأمة محمد (ص) ، غير مخصوصة؛ إذ التخصيص لا يكون إلا بالخبر الصحيح - ومن الأصل التمسك بالعموم ما لم يرد ما يخصصه.

وعلى هذا فإن وعد الله قائم لا يُخلف؛ فقد وعد عباده المؤمنين بالنصر والتمكين في الأرض ليكونوا آمنين سالمين سعداء إذا ما آمنوا وعملوا الصالحات وقاموا بفعل الطاعات، وبمجانبة المعاصي، والتزموا دين الإسلام بكل أحكامه وشرائعه ونظمه وما يقتضيه ذلك من جمع الكلمة ووحدة القلوب؛ ليكون المسلمون جميعا متعاونين متراحمين متوادين فيما بينهم - وحينئذ يجعل الله لهم العزة والمنعة والسلطان - وهو قوله: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) (كما) ، الكاف في محل نصب على المصدر؛ أي استخلافا كما استخلف الذين - والمراد كل من استخلفهم الله في الأرض من الأمم السابقة وجعل لهم المنعة والعزة.

قوله: (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) المراد بدينهم هنا، الإسلام - وهو دين الحق الذي ارتضاه الله للبشرية لتهتدي بهديه، وليكون لها نورا ينير لها الطريق، ويبدد من أمامها الظلمات؛ فلسوف يجعل الله الإسلام مكينا منيعا ظاهرا على كل الشرائع والملل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت