في هذه الآية نهى الله عن الجماع في فترة الاعتكاف - ومن أتى الجماع حال اعتكافه فسد اعتكافه، حتى إن أفعالا دون النكاح كالتقبيل وغيره حين الاعتكاف مكروه شرعا.
على أن الاعتكاف ركنه ملازمة العبادة والمواظبة في مدة مخصوصة - وليس ذلك واجبا على المسلم ولكنه نافلة من النوافل يتقرب بها المرء إلى ربه مثلما كان النبي (ص) والصحابة والتابعون من بعده يفعلون.
أما وقت الاعتكاف ومكانه، فإنه يستحب أن يكون في رمضان خصوصا العشر الأواخر منه، كما كان يفعل الرسول (ص) ، واستحبابه في رمضان يستأنس له بذكر الاعتكاف في آية الصيام، مع أنه يجوز للمسلم أن يعتكف في أي وقت من السنة.
وأما مكان الاعتكاف فقد أجمع العلماء على اشتراطه في المساجد، لكنهم اختلفوا في حقيقة هذه المساجد المذكور في الآية (عاكفون في المساجد) فقد قيل إنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة - وذهب آخرون إلى جواز الاعتكاف في كل مسجد - وه الراجح لدليلين: أولهما: أن المساجد في الآية ذكرت على سبيل العموم ولم يخصصها شيء وثانيهما: ما روي عن النبي (ص) قوله في هذا الصدد:"كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح".
وأما الاعتكاف من حيث مدته فقد اختلفوا: إذ ذهب الإمامان مالك وأبو حنيفة إلى أن أقل مدته يوم وليلة، وقال الشافعي: أقله لحظة ولا حد لأكثره، وهو ما نرجحه؛ ذلك أن الآية جاءت بصيغة العموم فلم تحدد الاعتكاف بمدة لأقله أو أكثره.
واشترط فريق من أهل العلم منهم أبو حنيفة ومالك وأحمد في أحد قوليه؛ الصوم لصحة الاعتكاف، فلا بد للمعتكف أن يصوم نهاره حال اعتكافه، واستدلوا على ذلك بالظاهر من النص الكريم؛ إذ ذكر الاعتكاف عقيب التكليف بالصوم - واستدلوا كذلك بما روي عن السيدة عائشة أن النبي (ص) قال:"لا اعتكاف إلا بصيام"وذهب آخرون وفيهم الشافعي وداود الظاهري وأحمد في أحد قوليه إلى أنه لا يشترط الصوم لصحة الاعتكاف - واحتجوا لذلك بأن النبي (ص) كان قد اعتكف في رمضان، ولا يمكن أن يكون صوم رمضان لرمضان وغيره - حتى إن المعتكف في رمضان بصوم التطوع والفرض معا يفسد صومه لجمعه في النية بين فعلين - وذلك ما قاله الإمام مالك.
ويظهر لنا من ذلك أن اشتراط الصوم للاعتكاف هو الصحيح استنادا إلى الحديث:"لا اعتكاف إلا بصيام"والله تعالى أعلم 233.
وقوله: (تلك حدود الله فلا تقربوها) اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ - (حدود الله) خبر - ولفظ الجلالة مجرور بالإضافة - وحدود مفردها حد وهو المنع - والحدود هي الموانع أو الحواجز التي لا ينبغي أن يتجاوزها أحد؛ لما في ذلك من معصية وعدوان.
والمراد بحدود الله في الآية أحكامه التي بينها فليس لأحد أن يقربها - أي يتعداها ويتجاوزها بالانتهاك والعصيان.
وقوله: (كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) أي مثلما بين الله في الآية هنا الصيام وأحكامه وما تبع ذلك من تشريع للاعتكاف، فإنه سبحانه يبين للناس في آياته الكريمة سائر الأحكام ليكون في ذلك الهداية لهم وما يجعلهم على صراط الله المستقيم ومنهجه الكامل القويم.
قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون) .