وجوابه (فعسى ربي) في الآية التي بعدها وتقدير - ترني أقل منك مالا - و (أنا) ، ضمير فصل لا محل له من الإعراب - وقيل: توكيد للنون والياء 53 - والمعنى: إن كنت تراني (أقل منك مالا وولدا) في هذه الدنيا الفانية فلعل الله يعطيني من فضله في الدنيا أو في الآخرة خيرا مما أعطاك - ولعله سبحانه أن يرسل على جنتك هذه (حسبانا من السماء) أي عذابا من السماء - وقيل: الحسبان الصواعق - واحدتها حسبانة.
وقيل: الحسبانة السحابة - والمراد: أن يرسل الله من السماء عذابا يأتي على جنتك بالتدمير والتخريب (فتصبح صعيدا زلقا) الصعيد، التراب، أو وجه الأرض 54، و (زلقا) أي ملساء لا يثبت عليهم قدم 55؛ أي تصبح جنتك أرضا ملساء لا نبات فيها، ولا يثبت عليها قدم لملامستها.
قوله: {أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا} (غورا) ، من الغور، وهو قعر كل شيء - والغور: المنخفض من الأرض - غار الماء غورا، ذهب في الأرض فهو غائر - وغارت العين غئورا؛ أي انخسفت 56؛ أي يصبح ماء جنتك غائرا ذاهبا في أسفل الأرض فلن تستطيع رده بعد ذلك فيأتي على جنتك الجفاف واليُبس 57.
قوله تعالى: {وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43) هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44) } .
معنى (وأحيط بثمره) : أهلك كل ماله؛ فقد تحقق بذلك ما أنذره به صاحبه المؤمن - وأصل العبارة من الإحاطة - نقول: أحاط به العدو؛ أي استولى عليه وتمكن منه فأهلكه إهلاكا - وهنا قد أحاط بجنته الإهلاك والتدمير فتبددت وأتى عليها الخراب (فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها) أصبح المكذب المغرور يضرب إحدى كفيه على الأخرى لشدة ما أصابه من الندم والتحسر - وتقليب الكفين حين الخسران والمصاب الجلل كناية عن الندم البالغ؛ فإن من عظمت حسرته يصفق إحدى يديه على الأخرى - وإنما يفعل ذلك ندامة على ما أنفق في عمارة جنته ثم صار كل ذلك إلى الخراب.
قوله: (وهي خاوية على عروشها) أي ساقطة على عروشها وخاوية بمعنى خالية - وقيل: ساقطة؛ أي فهي ساقطة على عروشها 58 - ويمكن أن يكون المراد بالعروش عروش الكروم؛ فهذه العروش قد سقطت ثم سقطت الجدران عليها - ويمكن أن يراد من العروش: السقوف وهي قد سقطت على الجدران.
قوله: (ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا) ليتني أيقنت أن الله حق وأنه وحده الخالق المعبود فلم أتخذ معه إلها آخر - وذلك بعد أن تذكر ما وعظه به صاحبه المؤمن فأدرك أن الله أهلك جنته وابتلاه هذا البلاء بسبب جحوده وغروره وعصيانه؛ فقد ندم مثل هذا الندم الشديد حين لم تنفعه الحسرة ولم يجده التمني والندم.