قوله: (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا) (والباقيات الصالحات) تتناول كل وجوه العمل الصالح مما فيه طاعة لله وخشوع لجلاله العظيم، ما بين صلوات وزكوات وصيام ونُسُك وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وبر بالوالدين، وإحسان لعباد الله؛ فذلك كله خير مما يتفاخر به الغافلون (وخير مردا) أي خير عاقبة؛ لأن عمل الخير وفعل الطاعات يصير بالعاملين المؤمنين إلى النجاة والفوز بالرضوان والجنة 50.
قوله تعالى: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80) } .
في سبب نزول هذه الآية روى الإمام أحمد بسنده عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه منه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد - فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد (ص) حتى تموت ثم تبعث - قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيتك - فأنزل الله الآية 51.
الهمزة في قوله: (أفرأيت) للتعجب من قول هذا الكافر العاتي، والفاء عطف يفيد التعقيب؛ أي أنظرت فرأيت كفران هذا الجاحد بآياتنا وما فيها من بينات ودلائل، ثم قال على سبيل التهكم الوقح والاستكبار الفاجر: (لأوتين مالا وولدا) جواب قسم؛ أي والله لأوتين إذا بعثت مالا وولدا - سبحانك اللهم هذا اجتراء شنيع يتقوله هذا المغالي في الجحود والكفر؛ إذ يقسم أنه سيؤتي المال والولد في الآخرة.
قوله: (أطلع الغيب) الهمزة للاستفهام، والغيب مفعول به 52؛ أي أنَظَر في علم الله الذي استأثر به، والمكنون في اللوح المحفوظ حتى زعم أنه يؤتيه الله في الآخرة مالا وولدا - وهذا رد لزعم هذا الفاجر الكذاب - قوله: (أم اتخذ عند الرحمن عهدا) أي أعلم الغيب أم أنه أوتي من الله عهدا وموثقا بأن ذلك كائن.
قوله: (كلا سنكتب ما يقول) (كلا) ، حرف ردع وزجر لهذا المستكبر العاتي عما زعمه من بالغ الظلم والافتراء - وهو تنبيه على ضلاله وتصوره الخاطئ - وسنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله: (ونمد له من العذاب مدا) أي نزيد له في العذاب ونضاعفه له مضاعفة، جزاء مقالته الشنيعة (ونرثه ما يقول) أي نسلبه بموته ما عنده من المال والولد أخذ الوارث ما يرثه عقب الموت.
قوله: (ويأتينا فردا) (فردا) حال منصوب؛ أي يأتي يوم القيامة بغير مال ولا ولد؛ بل يأتي حسيرا ذليلا فردا لا يصحبه إلا ما قدم من شنيع الأعمال والأقوال 53.
قوله تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (82) ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (83) فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (84) } .
اتخذ الكافرون آلهة مختلفة من دون الله ليتعززوا ويتقووا بهم فيكونوا لهم أنصارا وأعوانا وشفعاء - وهكذا يتصور المشركون الضالون في كل زمان؛ إذ يعبدون آلهة مختلفة مصطنعة - سواء في ذلك الأصنام أو الطغاة والمتجبرون من طواغيت البشر الذين يعبدهم المغفلون الخائرون من الناس يبتغون عندهم العزة والعون.