فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 2536

قوله: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) وفوق جرائم المشركين في الصد عن دين الله والكفر به والمسجد الحرام وإخراج المؤمنين منه ظلما وعدوانا، فإنهم لا يزالون مصممين وماضين في حربكم وقتلكم ليردوكم عن الإسلام إن استطاعوا - ومن المعلوم أن الارتداد عن ملة الإسلام إلى ملل الكفر جريمة شنيعة بل هو كبرى الجرائم التي يتردى فيها التعساء في هذه الحياة، فإن الذي يبدل دين الإسلام ليدخل في الكفر ثم يظل على حاله من الارتداد إلى أن يموت كافرا قد باء الخسران وحبوط الأعمال في الدنيا والآخرة - وحبوط الأعمال أي فسادها أو بطلانها، ومنه الحبط وهو مرض يصيب الدواب والأنعام في بطونها؛ لكثرة ما تأكله من الكلأ مما يؤدي إلى انتفاخ أجوافها واحتمال موتها 278 - وينسحب مثل هذا المعنى على الأعمال الصالحة إذا أتى عليها الحبوط، فإنه يفسدها ويجعلها هدرا بغير قيمة أو اعتبار، وذلك في الدنيا والآخرة - أما حبوطها في الدنيا فهو أن يُضرب عن ذكرها صفحا، فتصبح كأنها لم تكن، فلا يبقى لها في أذهان الناس وذكرياتهم أي تقدير أو حساب - ولا يكون للمرتد بعد موته وحبوط عمله من ثناء عليه أو إحساس بتذكره وإطرائه طيلة الحياة الدنيا، ليكون بذلك نسيا منسيا - وأما حبوطها في الآخرة فهو فسادها وزواها البتة حتى إذا جاء المرتد يوم القيامة لم يجد من أعماله الصالحة شيئا.

وثمة أحكام للمرتد نعرض لبعضها في هذا الصدد، وأولها الاستتابة - فقد ذهب فريق من العلماء إلى أن المرتد عن الإسلام يستتاب، فإن تاب صين دمه وإذا لم يتب قتل.

وفي حجم المدة التي يتاح فيها للمرتد أن يتوب، اختلفوا، فقيل: يستتاب مدة ساعة من نهار، وقيل: يستتاب شهرا، وقيل كذلك: يستتاب أياما ثلاثة وهو قول الإمام مالك - وقال الحسن البصري: يستتاب مائة مرة - وللشافعي في أحد قوليه أن المرتد يقتل في الحال ودون استتابة.

وذكر عن أبي حنيفة أن المرتد يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل مكانه، إلا أن يطلب التأجيل، فإن طلب ذلك أمهل أياما ثلاثة - مع أن المشهور في المذهب الحنفي أن المرتد لا يقتل حتى يستتاب.

أما الذي يبدل ملة الكفر بأخرى كالذي ينتقل من الكفر إلى الكفر، فلا شان لنا به؛ لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه في الأصل لترك وحاله - وذلك الذي عليه جمهور الفقهاء - أما الإمام الشافعي فقد ذكر عنه أنه يقتل مستندا في ذلك إلى العموم من حديث النبي (ص) "من بدل دينه فاقتلوه"وهو في لم يخص مسلما أو كافرا - وفي تقديرنا أن الأول أرجح؛ إذ لا صحة لما استدل به الإمام الشافعي من الحديث المذكور على القتل، فإن أصدق تأويل للحديث أنه ينطبق على من بدّل دينه الإسلام بدين آخر.

والآن ما حكم المرتد إذا رجع إلى الإسلام، فهل يحبط عمله السابق؟ فقد قال الإمام الشافعي: إن الذي يرتد ثم يعود إلى الإسلام لم يحبط عمله، وعليه فإن حجه وصيامه وصلواته وسائر أعماله باق بغير حبوط، وهو بعد عوده إلى الإسلام لا يبقى في ذمته فريضة بحج أو صيام أو غيره، أما الذي يموت وهو باق على حاله من الردة فإن أعماله كلها قد أتى عليها الحبوط - وذهب مالك إلى أن المرتد يحبط عمله بمجرد ارتداده - وبناء على ذلك فإن المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم فإنه يلزمه الحج من جديد - وقال الشافعي: ليس عليه إعادة للحج من جديد، فإن حجه الأول باق 279.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت