فهرس الكتاب

الصفحة 897 من 2536

ثانيهما: أنه خصهم بفضائل من النعم بالآيات والمعجزات الكثيرة مثل: انبجاس الماس من الصخر الصلد، وانفلاق البحر، وتمهيد السيل فيه لسيرهم ومضيهم فيه، وبعض النبيين الكثيرين فيهم أكثر مما بعض في الأمم السابقة - إلى غير ذلك من أنعم الله كالمن والسلوى وتظليل الغمام - وهو ما بيناه في تفسير سورة البقرة - فما ينبغي لأحد بعد هذا البيان الواضح للمراد من التفضيل على العالمين أن يصطنع من الكلام والتأويل ما يأباه المنطق السليم وتنفيه حقيقة المراد من الآية الكريمة ومما لم ينزل اله به من حجة ولا برهان.

ليس لمتحذلق 177 فارغ جاهل بعد ذلك أن ينتزع من مفهوم هذه الآية ما لا تحمله ليهذي بان بني إسرائيل جنس من البشر المميز الذي فضله الله لذاته وجنسه على سائر البشر!! ليس هذا الكلام إلا ضربا من الزيف والهراء الذي تجتره حناجر فريق من البشر المتعصب الجهول.

والحقيقة الصحيحة المعتبرة هنا أن نبي إسرائيل قد امتن الله عليهم بمنن وعطايا دنيوية كثيرة فاقت ما أعطته أمة من الأمم في هذه الدنيا لتكون لله الحجة عليهم في ذلك - وهذا هو المراد بالتفضيل - أما بعد ذلك من تفضيل معتبر يتميز فيه الصالحون من غيرهم فهو منوط بالصلاح والتقوى والمضي في طريق الله والتزام شرعه القويم ومنهجه المستقيم من غير شطط ولا زيغ ولا تزييف ولا تغيير ولا تبديل لما أنزله الله من الآيات والبينات - والمفضلون عند الله هم الذين استقاموا على دينه ورسالته الحقة للناس فلم يبدلوها تبديلا، ولم يزيفوها تزييفا، ولم ينتقصوا من آياتها أو يتزيدوا عليها ما ليس منها؛ فكانوا بذلك هداة صادقين أوفياء للبشرية يحملون لها رسالة المحبة والأمن والخير والنجاة في هذه الدنيا ويوم تقوم الساعة - لا جرم أن هذه المزايا والخصائص والمعاني إنما تتجلى في أمة الإسلام - أمة رسول البشرية محمد صلى الله عليه وسلم.

قوله: {وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسمونكم سوء العذاب} إذ، للظرفية الزمانية؛ أي اذكروا وقت إنجائنا لكم من آل فرعون الذين أذلوكم واستعبدوكم وامتهنوكم بأشد أنوله الامتهان - وجملة {يسمونكم سوء العذاب} في موضع نصب على الحال؛ أي أنجيناكم من آل فرعون حال كونهم {يسمونكم سوء العذاب} ويسومونكم؛ أي يولونكم إكراها - سامه خسفا؛ أي أولاه إياه وأرداه عليه 178.

قوله: {يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم} مفسرة للجملة التي قبلها {يسمونكم سوء العذاب} أو بدل منها - والمعنى: أن فرعون الطاغية اللعين كان يقتل من تولد من بني إسرائيل ذكرا ويستبقي الإناث من أجل الاستخدام والتسخير - وفي ذلك من سوء المحنة وفظاعة الجور والعدوان والإسراف في القتل الظالم ما هو عظيم وجلل 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت