فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 2536

ومن ضروب الإشراك أن تخشع القلوب للأصنام في انقياد مضلل فاسد، كالذي كان عليه الناس في الأزمنة الغابرة، إذ كانوا يخرون للأصنام ساجدين وهي أصنام يصطنعونها من الحجر أو المدر أو التمر على شواكل مختلفة من هيئة الإنسان أو الطير أو الحيوان، وفي طليعة ذلك اللات والعزى ومناة ثم هبل وأسماء غير ذلك مما يفتعل أولئك في سفاهة وعمه، ومن ضروب الشرك كذلك أن ينصاع الإنسان في شعوره ووجدانه وفي تفكيره وجوارحه لأمر الحكام والساسة الذين يقضون بالباطل وبغير ما أنزل الله، فهم بذلك يضادون الله ويستنكفون عما أنزل من كتاب ودين، وأمثال هؤلاء الحكام والساسة إنما يقفون في غاية الضلال والجريمة التي تتجسد في الافتتات على سلطان الله والاعتداء على جلاله وجنابه العظيمين وذلك بانتحال الخصائص الأساسية الكبرى كالمعبودية أو الملكوت أو التشريع وهي خصائص كبريات لا تتسنى لأحد من الخليقة كائنا من كان، وما انتحالها أو جزء منها إلا التعدي الصارخ المستكبر على الله في عليائه.

وعلى ذلك فإن اللحاق بمثل هؤلاء الحكام والساسة الذين يضادون الله لهو ضرب مستبين من ضروب الشرك الذيب تنشغل القلوب والأهواء لتسير في غير صراط الله، والذي يتثبت الطبع من خلاله بهؤلاء الفساق ليتلهى في خضم الرغائب والشهوات فيسدر مع السادرين إلى حيث السقوط في الأذلين.

ومن أحسن ما روي عن حبر هذه الأمة وإمام المفسرين عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) في هذا الصدد وهو أن الأنداد تعني الشرك وهو أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان.

وقد ورد في الحديث: أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت فقال له النبي:"أجعلتني لله ندا؟!".

قوله: (وأنتم تعلمون (الواو للحال، والضمير في محل رفع مبتدأ والميم للجمع، (تعلمون (جملة فعلية في محل رفع خبر، والجملة الاسمية المبتدأ والخبر في محل نصب حال.

وهذا الجزء من الآية خطاب للكافرين والمنافقين الذين يتخذون أندادا من دون الله، مع أنهم يعلمون في قرارة صدورهم وفي العميق من نفوسهم أنهم ليسوا على شيء إلا الضلال والباطل، وأنهم ناكبون عن الطريق المستقيمة، عن صراط الله الذي لا يخالطه أمت أو اعوجاج، وأنهم يعلمون أن هذا النبي صادق في تبليغه عن ربه وأن شريعة الإسلام لهي الحق المبين.

إن هذا الجزء من الآية خطاب جدير به أن ينفذ إلى قلوب المشركين وأذهانهم أولئك الذين يتخذون مع الله آلهة أخرى وهو في نفاذه إليها يقرعها في مواجهة مكشوفة لا تعرف الموارية أو الميل كما يعلم هؤلاء الكذناكبون أنهم متعصبون وأنهم مفترون عسى أن تتململ فيهم بقية من وازع أو فطرة - 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت