فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 2536

قوله تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (ذلك تحد من الله للكافرين آحادا ومجتمعين أن يأتوا بمثل هذا القرآن، مع العلم أن الله قد تحداهم مرارا عديدة في مكة فقال مثلا: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (وقال أيضا:(أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) .

وقد تحداهم الله كذلك في المدينة في مثل هذه الآية (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله - - - (فلئن كان المشركون في شك من هذا القرآن الذي تنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فليأتوا بسورة واحدة من مثله إن استطاعوا ثم ليدعوا أعوانهم وأنصارهم ليحضروا عملية التحدي وليشهدوا بأنفسهم محاولة المشركين وهم يصطنعون مثل هذا القرآن.

والمقصود بالعبد هو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وقد سماه الله بذلك لشرف العبودية، له سبحانه، ولا جرم أن تكون العبودية هي الخضوع والتذلل ولا يكون ذلك إلا لله، والإنسان المؤمن إنما يكون ممتثلا لأمر الله في شرعه ودينه، ولا ينقاذ في خضوع وتخشع إلا له سبحانه، وتلك درجة سامية رفيعة يرقى إليها الإنسان، فلا يذل لأحد من دون الله كيفما كانت منزلته، والإنسان المؤمن في هذه الحال من العبودية الخالصة لله قمين به أن يسمى عبدا وهي أشرف ضروب التسمية حقا.

وقوله: (بسورة (السورة في اللغة معناها المنزلة من البناء، والسور يطلق على ما ارتفع من الأرض أو هو الحائط الذي يحيط بالبناء وسمي بذلك لارتفاعه وإشرافه، وسميت السورة من القرآن بذلك لشرفها وارتفاعها وهي في كلام العرب تفيد الإبانة والانفصال من سورة لأخرى أو أنها قطعت من القرآن على حدة وبعبارة أخرى وجيزة، فإن السورة من القرآن قد سميت بذلك لأنها منزلة منزلة مقطوعة عن الأخرى، وهي تجمع على سور أو سورات - 9

وعلى ذلك فإن هذه الآية جاءت لتتحدى الناس جميعا كيما يجهدوا في أن يأتوا بمثل سورة واحدة من هذا القرآن وأن ينادوا أشياعهم وشركاءهم ممن هم على اللذين ستؤول إليهما محاولة المشركين.

وقوله: (إن كنتم صادقين (أي فيما تدعون، وهو أنكم قادرون على معارضة هذا القرآن بمثله تصطنعونه من عند أنفسكم.

وجدير بالبيان مما يشهد للقرآن والإعجاز أن العرب- وهم موطن الفصاحة والبلاغة واللسن - قد جهدوا في عناء بالغ ليأتوا بمثل هذا القرآن وقد كان يحفزهم لذلك ما كان يحبههم من تحد قائم لا يتحول، وهو تحد قد أثار في نفوسهم المرارة والإحساس بالخزي والضعف، لأنهم باتوا غير قادرين على محاكاة هذا الكتاب الحكيم، مع أنهم أحوج ما يكونون لمحاكاته أو المجيء بمثله ولو قدر سورة قصيرة واحدة، ولقد ظل القرآن على الدوام يتحدى هؤلاء البلغاء أفرادا ومجتمعين وهم الخصوم اللد للإسلام ونبيه وكتابه، ويدركون أن مكانتهم الذاتية الشخصية باتت تتزعزع، وأن مجدهم العربي الموروث آخذ في الترنح والأرجحة، وأن تصوراتهم وأعرافهم ومصالحهم آيلة الى التبدد والسقوط، وذلك كله بفعل العقيدة الإسلامية الجديدة التي جاء يحملها القرآن، فكانوا بذلك يودون في رغبة مغالية جامحة لو تصدوا لهذا القرآن عنه الناس، وليثيروا من حوله الشبهات والظنون، وهم أنفسهم أقدر الناس جميعا على اصطناع الكلام البليغ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت