وذكر محمد بن إسحق في السيرة عن محمد بن كعب قال: قال أبو جهل وهم جلوس: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكا فإذا متم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن - وإنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تعذبون بها، وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك وفي يده حفنة من تراب وقد أخذ الله تعالى على أعينهم دون فجعل يذرّها على رؤوسهم ويقرأ {يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ} حتى انتهى إلى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته وباتوا رصداء على بابه حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من الدار فقال: ما لكم؟ قالوا: ننتظر محمدا - قال: وقد خرج عليكم، فما بقي منكم من رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم ذهب لحاجته - فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب.
قوله: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} أي ختم الله على قلوب
الكافرين بالضلالة فما ينفعهم الإنذار ولا يؤثر فيهم
بل إن الإنذار وعدمه سيان في عدم وقوع الإيمان منهم
{إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} يعني إنما ينتفع بإنذارك أولو الطبائع السليمة والفِطر المستقيمة الذين آمنوا بالقرآن وأيقنوا بأنه حق وعملوا بما فيه - وهم الذين يخشون الله حين غيابهم عن أبصار الناظرين، عندما لا يراهم أحد إلا الله سبحانه، أولئك هم المؤمنون الذين تنفعهم الذكرى وتؤثر فيهم الموعظة.
قوله: {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} أي بشر هؤلاء المتقين الذين يخشون ربهم بالغيب بأن الله غافر لهم ذنوبهم فساترها وأنه مجزيهم حسن الثواب من في الآخرة.
قوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ} ذلك واحد من المعاني العظيمة المكررة في الكتاب الحكيم التي يؤكد الله فيها على إحياء الموتى، وبعثهم من قبورهم ليلاقوا الحساب يوم القيامة.
أما قوله: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} أي أن الله يحصي عليهم أعمالهم من خير أو شر فيكتبها جميعا.
أما قوله: {وَآَثَارَهُمْ} أي آثار خطاهم بأرجلهم؛ فقد روي عن أبي سعد الخدري قال: كان بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ} فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:"إن آثاركم تكتب فلم تنتقلون؟"4
وقيل: تكتب لهم أعمالهم بأنفسهم، وما ترتب عليها من آثار بقيت من بعدهم؛ فإن الله مجازيهم عنها إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ - وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم:"من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن يُنقَصَ من أوزارهم شيء".