فهرس الكتاب

الصفحة 890 من 2536

وقرئت أيضا على الإخبار وذلك على سبيل التوبيخ من فرعون للحسرة الذين آمنوا من غير إذن منه - وذلك هو منطق الطاغية الغاشم فرعون؛ إذ يستنكر على أحد أن يؤمن أو يهتدي ويمضي على صراط الله دون إذنه - فأيما إيمان بالله والمرسلين والتزام منهج الله المستقيم من غير إذن الشقي الأثيم فرعون جريمة تستوجب القتل والصلب والتقطيع من خلاف - بل إن ذلك منطق الرؤساء الجبابرة العتاة في كل زمان؛ إذ لا يرضون للفئة المؤمنة الواعية من عباد الله، التي تحمل رسالة الله وتدعوا لدينه ومنهجه على علم وبصيرة - غنهم لا يضرون لهم إلا أن ينطلقوا من خلالهم وبعد الاستئذان منهم، وإلا كانوا -في منطق الحاكم والساسة والظالمين المتجبرين- خارجين متمردين يستوجبون العقاب الشديد بالقتل أو السجن أو النفي أو التعذيب.

قوله: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها} يقول فرعون: هذا الإيمان منكم والتصديق بنبوة موسى ودينه عن هو إلا خداع منكم واحتيال قد تواطأتم عليه فيما بينكم وبين موسى ليستولوا على مصر وتخرجوا منها أهلها القبط ثم تقيموا فيها أنتم وبنو إسرائيل - وذلك محض كذب وافتراء من فرعون - فلم يكن ثمة مواطأة بين موسى واحد؛ فإنه عليه الصلاة والسلام قد جاء من مدين إلى فرعون مباشرة ولم ير قبل ذلك أحدا من السحرة.

فليس التقول بالمواطأة أو التمالؤ إلا افتراء وزورا اختلقه فرعون؛ ليستبيح به فعلته الشنيعة في الذين آمنوا، وذلك بالقتل والتنكيل لذلك تودعهم قائلا: {فسوف تعلمون} أي ستجدون ما تلقونه من عقابي لكم على صنيعكم هذا.

قوله: {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين} وذلك أن يقطع من أحدهم يده اليمنى ورجله اليسرى - أو يقطع يده اليسرى ورجله اليمنى فيخالف بين العضوين في القطع - فمخالفته هذه في القطع، وهو القطع من خلاف - ثم يعلقهم مصلوبين على جذوع النخل صلبا مبالغا في التنكيل والنكاية - وقد قيل: أول من سن القطع من خلاف وكذا الصلب لهو فرعون - وهو قول ابن عباس.

فيا لله لهؤلاء المؤمنين المخبتين الأوفياء الذين صدقوا مع الله حق الصدق وصبروا على فظاعة الطاغوت العتل واحتملوا من بالغ تنكيله ونكاية عذابه ما يجعل منهم النبراس 162 المحتذي على مر الزمن في اشتداد العزيمة والتجلد والاستعلاء على هوان الدنيا وما تحفل بم من المآسي وألوان المرارة، ليكون ذلك درسا كبيرا للمؤمنين الذين يدعون للإسلام في كل زمان بما يثير فيهم علو الهمة ورباطة الجأش والقدرة على احتمال الشدائد التي يكيلها لهم الظالمون والمتجبرون والمجرمون من شياطين الأرض.

قوله: {قالوا إنا إلى ربنا منقلبون} منقلبون أي راجعون - وذلك رد السحرة الذين آمنوا بعد أن توعدهم فرعون بالقتل والقطع من خلاف والصلب -إذ أجابوه في استعلاء ويقين أنهم على الحق، وأنهم صائرون إلى الله بالموت لا محالة.

قوله: {وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات من ربنا لما جاءتنا} تنقم؛ أي تنكر وتعيب 163؛ أي ما تعيب ولا تنكر علينا يا فرعون إلا لإيماننا بموسى وتصديقا بآيات ربنا وهي ما أنزله من الحجج والبراهين والأدلة على صدق هذا الدين جاء به موسى - فليس إيماننا مثارا للعيب والإنكار ولكنه مبعث للشرف والكرامة والثناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت