فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 2536

ولعل هذا المراد الذي ذكره أكثر العلماء أقرب ما يكون إلى الصواب - غير أن مفهوم هذه الآية يمكن انسحابه على كل حداثة تتضمن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه - فإن صدّ المسلمين عن الصلاة في بيوت الله، والحيلولة بين أهل العلم وكلمة الحق يقولونها على الملأ، والنصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذلك كله من ضروب المنع لمساجد الله أن يذكر فيها اسمه والسعي في خرابها.

وخراب المساجد تناول كل أوجه الهدم والتدمير أو الإفساد والتلويث أو صد المسلمين؛ كيلا يقيموا في المسجد شعيرة الصلاة وغيرها من الذكر والقول الحسن - ويتناول كذلك صد المرشدين وأهل العلم من الذين يدعون إلى الله على بصيرة، والذين يبعثون في المسلمين روح الهمة والاستعلاء، ويستنهضون فيهم العزائم والإرادات؛ لينطلقوا من عقال الضعف والاسترخاء؛ وليتحرروا من إسار المهانة والتخلف والجهل - إن منع هؤلاء المرشدين العالمين الداعين إلى الله على بصيرة لهو صورة مقبوحة مشهودة من صور الخراب لمساجد الله، وذلك بفعل الأفاكين والدجاجلة من ساسة وحاكمين وغيرهم، أولئك الذين يجهدون أنفسهم في الليل والنهار وهم يتآمرون على الإسلام؛ ليصدوه عن البشرية؛ وليحجبوا عن أهل الأرض الاستماع الواعي لكلمة الإسلام في كل القضايا والمشكلات.

قوله: {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} (أولئك) ، مبتدأ - وما بعده في محل رفع خبره - والمصدر من {أن يدخلوها} في محل رفع اسم كان - {لهم} خبر كان {خائفين} في محل نصب حال 99 - والجملة خبر معناه الطلب، فهي تنطوي على مبدأ وخبره ويفرق بينهما النفي - غير أن الآية تحمل في مضمونها الطلب للمسلمين ألا يمكنوا المشركين من دخول بيوت الله إلا تحت الهدنة والجزاء وهم متهيبون وجلون.

وفي قول آخر أن الآية تتضمن بشارة للمسلمين الأولين بأن الله جلت قدرته سوف يذل المشركين فلا يدخل أحد منهم البيت الحرام إلا على تخوف أن يؤخذ فيقتل، وقد كان ذلك بالفعل - فإنه لما فتح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكة أمر في السنة التاسعة للهجرة أن ينادي مناد"ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته"100.

وقوله: {لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم} قد أعد الله لأولئك المشركين الذين يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه والذين يسعون كذلك في خرابها ألوانا منا لخزي والذلة ترهق وجوههم ليبوءوا بسخط من الله وغضب - حتى إذا دخلوا الدار الآخرة واجههم هنالك العذاب الشديد البئيس الذي لا تطيقه طبائعهم ولا جسومهم؛ لفرط ما يسومون من هول التعذيب الأليم الموجع.

قوله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم} جاء في سبب هذه الآية عدة أقوال لعل أصوبها أنه بعد أن تحولت قبلة المسلمين عن بيت المقدس إلى البيت العتيق في مكة بأمر من الله أنكر اليهود ذلك واغتاظوا، ولم يرضوا بما شرعه الله لعباده من قبلة عظيمة مستديمة يتوجون إليها وتكون لهم على الدوام مثابة - وذلك من تقدير الله وشأنه، فهو يتعبّد الناس بما شرعه لهم من قبلة وما سواها من أحكام وشعائر من غير أن يكون له في ذلك راد أو معقب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت