قوله: (ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله) نزلت في صهيب بن سنان الرومي - هذا الصحابي العظيم الذي استهان بالمال والشهوة والأرض في سبيل العقيدة - واستهان بالكرامة في المقام في الوطن ليهجر الأهل والصحب والوطن نفسه؛ كيما تبقى العقيدة التي يعتبرها المؤمن أغلى من كل ما في الدنيا من اعتبارات، فلا المال ولا الولد ولا الخلان ولا الزوجة ولا العشيرة ولا المنزلة الرفيعة ولا الأوطان ولا غير ذلك يغني عن أعظم وأقدس رباط وتلكم هي عقيدة الإسلام - وهي من أجلها يهجر المرء كل شيء ليؤثر الهجران على المقام في الأوطان، ويؤثر البؤس والافتقار والموت على الراحة واليسر والحياة والرخاء - وذلك كله من أجل العقيدة.
وذلكم هو صهيب الرومي يتحدث عن قصته مع المشركين لدى هجرته من مكة إلى المدينة: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي (ص) قالت لي قريش: يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك وتخرج أنت ومالك؟ والله لا يكون ذلك أبدا فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلّون عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي (ص) ، فقال:"ربح صهيب ربح صهيب"مرتين 271.
وقوله: (يشري نفسه) أي يبيعها - وذلك كقوله تعالى: (وشروه بثمن بخس) أي باعوه به.
وقوله: (ابتغاء مرضات الله) (ابتغاء) مفعول لأجله منصوب - مرضات مضاف إليه مجرور - لفظ الجلالة مجرور بالإضافة - و (مرضات الله) أي رضوانه.
ويستفاد من الآية العموم - فهي تناسب كل مجاهد في سبيل الله يبيع نفسه لله فداء لدينه وعقيدته، لا لشيء من أشياء هذه الدنيا الفانية العاجلة، بل طلبا لرضوان الله سبحانه وهو أقصى ما يرمي إليه المؤمن وأبعد غاية يرومها طيلة مكثه في هذه الدنيا الزائلة - والله جلت قدرته سوف يتولى أمثال أولئك الأبرار المجاهدين الذين باعوا أنفسهم طلبا لرضاه، وهو سبحانه مجازيهم بفضله وكرمه ورحمته (والله رؤوف بالعباد) .
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم) أرجح الأقوال في معنى السلم أنه الإسلام - وقيل: الطاعة لله - وقيل: الاستسلام والامتثال، وهي أقوال متقاربة ويمكن التعبير عنها بالكلمة الجامعة الشاملة الضخمة"للإسلام"والله جلت قدرته يأمر عباده المؤمنين أن يأخذوا بتعاليم الإسلام جميعا سواء فيها العقيدة والعبادة والأخلاق وكل تكليف جاءت به الشريعة.
وقوله: (كافة) منصوب على الحال من السلم - وقيل من ضمير الداخلين وهم المؤمنون - و (كافة) تعني جميعا - والمؤمنون مخاطبون في هذه الآية أن يلتزموا بملة الإسلام وبشريعته دون زيغ أو انتقاص أو إبدال - وهم كذلك مأمورون أن يتجنبوا مسالك الشيطان كيفما كانت وحيثما كانت - وهي مسالك يقود جميعها إلى الضلال والغواية والخسران.
قوله: (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات) (زللتم) ، زل فعل ماض والتاء في محل رفع فاعل، والميم للجمع - وهي من الزلل ومعناه الانحراف والتنحي عن الصراط المستقيم - و (البينات) هي البراهين والمعجزات والحجج التي جاء بها القرآن العظيم.